بث تجريبي

د. إبراهيم مرجونة يكتب: منظور السلام والمجتمع الديمقراطي بوصفه ضرورة تاريخية "قراءة في رؤية عبدالله أوجلان"

يمثل منظور السلام والمجتمع الديمقراطي أحد أكثر الأُطروحات الفكرية راديكالية في نقد الدولة القومية الحديثة ونمط السلام القائم على توازن القوة. فهذا المنظور لا ينظر إلى السلام بوصفه نتيجة اتفاقات سياسية أو ترتيبات أمنية، بل يراه بنية اجتماعية أخلاقية لا تتحقق إلا عبر بناء مجتمع ديمقراطي تعددي، قائم على المشاركة، والعدالة، والاعتراف المتبادل بين المكونات الاجتماعية. ومن ثمّ، يصبح السلام نتاجًا داخليًا لتحول المجتمع، لا منحة خارجية تفرضها السلطة أو المجتمع الدولي.

ينطلق هذا المنظور من نقد جوهري لمفهوم السلام التقليدي، الذي يساوي بين السلام وغياب العنف المباشر، ويطرح بدلًا من ذلك تصورًا موسعًا يرى أن:

  • - العنف لا يقتصر على السلاح، بل يشمل العنف البنيوي (الاقتصادي، الثقافي، الهوياتي).

  • - الدولة القومية المركزية تُعدّ أحد أهم مولدات العنف المنظم.

  • - السلام الحقيقي لا يتحقق دون تفكيك البنى التي تنتج الإقصاء والتهميش.

وبذلك يتحول السلام إلى عملية مجتمعية طويلة الأمد.

المجتمع الديمقراطي شرطًا للسلام

يربط هذا المنظور بين السلام والمجتمع الديمقراطي ربطًا عضويًا، معتبرًا أن:

  • - الديمقراطية ليست نظام حكم فقط، بل نمط حياة اجتماعي.

  • - المشاركة الشعبية الواسعة تقلل من قابلية المجتمع للانزلاق نحو العنف.

  • - الاعتراف بالتعددية الإثنية والدينية والثقافية شرط أساسي للاستقرار.

فالمجتمع الديمقراطي هو مجتمع تُدار فيه الخلافات عبر الحوار والمؤسسات القاعدية، لا عبر القمع أو الإقصاء.

نقد الدولة القومية وبديل الأمة الديمقراطية

يشكّل نقد الدولة القومية حجر الزاوية في هذا المنظور، حيث تُوصَف الدولة المركزية بأنها:

  • - تحتكر العنف والقرار.

  • - تفرض هوية واحدة على مجتمعات متعددة.

  • - تعيد إنتاج الصراع باسم السيادة والوحدة الوطنية.

وفي مقابل ذلك، يُطرح بديل الأمة الديمقراطية التي تقوم على:

  • - اللامركزية السياسية.

  • - الحكم الذاتي المجتمعي.

  • - التعايش الطوعي بين المكونات.

السلام والعدالة الاجتماعية

لا ينفصل السلام، وفق هذا المنظور، عن العدالة الاجتماعية، إذ يرى أن:

  • - الفقر والتهميش يولدان عنفًا مؤجلًا.

  • - تحرر المرأة مؤشر جوهري على ديمقراطية المجتمع.

  • - الاقتصاد المجتمعي التشاركي يقلل من الصراعات الطبقية.

ومن ثمّ، يصبح السلام انعكاسًا مباشرًا لميزان العدالة داخل المجتمع.

المجتمع المدني والوساطة المجتمعية

يعطي هذا المنظور دورًا محوريًا للمجتمع المدني باعتباره:

  • - وسيطًا بين السلطة والمجتمع.

  • - حاضنًا لثقافة اللاعنف.

  • - أداة لتسوية النزاعات محليًا قبل تحولها إلى صراعات شاملة.

وتُنظر المصالحة المجتمعية هنا لا كحدث سياسي عابر، بل كعملية اجتماعية مستمرة.

الأساس الأخلاقي للسلام

يرتكز منظور السلام والمجتمع الديمقراطي على أساس أخلاقي واضح، يرى أن:

  • - السلام قيمة إنسانية عليا لا تقبل التجزئة.

  • - الحرية لا تُمنح بل تُمارس.

  • - العدالة شرط للسلام، لا نتيجة له.

وهو بذلك يعيد الاعتبار للأخلاق السياسية في مواجهة الواقعية الصلبة التي تختزل السياسة في القوة والمصلحة.

السلام كضرورة تاريخية في فكر عبدالله أوجلان

ينطلق أوجلان في تأسيسه النظري لمفهوم السلام من تحليل تاريخي-بنيوي لما يسميه «المجتمع السلطوي»، بوصفه الإطار الذي تبلورت داخله أنماط العنف السياسي والاجتماعي عبر العصور. ويرى أن الدولة القومية الحديثة ليست قطيعة مع هذا النمط، بل امتدادًا متقدمًا له، إذ جمعت بين المركزية السياسية، والاقتصاد الرأسمالي، والبنية الأبوية.

ومن هذا المنطلق، يطرح السلام لا باعتباره تسوية سياسية مؤقتة، بل ضرورة تاريخية تفرضها أزمة النموذج الدولتي ذاته في الشرق الأوسط.

السياق التاريخي: من التعدد المرن إلى الدولة القومية

لم يعرف التاريخ الإسلامي في بنيته السياسية والاجتماعية الحدود القومية الصلبة، بل قام على شبكة من العلاقات المتداخلة بين العرب والكرد والترك والفرس. وقد حافظت الإمارات الكردية، خصوصًا في العصر العباسي، على قدر واسع من الاستقلال الإداري والعسكري ضمن علاقة تعاقدية مع المركز.

غير أن هذا النمط بدأ في التآكل مع تصاعد التدخلات الدولية منذ القرن التاسع عشر، وفرض نموذج الدولة القومية. ويرى أوجلان أن اتفاقيات مثل:

  • - اتفاقية سايكس بيكو

  • - معاهدة سيفر

  • - معاهدة لوزان

لم تُجزّئ الجغرافيا فحسب، بل عطّلت الذاكرة التاريخية المشتركة للشعوب، وأعادت إنتاج الصراع بوصفه قدرًا بنيويًا.

الكونفدرالية الديمقراطية

يطرح أوجلان مفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية» بوصفه صيغة معاصرة لإعادة بناء العلاقات التاريخية بين الشعوب، لا على أساس العودة إلى الماضي، بل عبر استعادة منطق التعايش والتكامل.

فالمشروع لا يسعى إلى إلغاء الكيانات القائمة، بل إلى تفريغ الدولة من طابعها القسري، وتحويلها إلى إطار ضامن للحقوق، مقابل تمكين المجتمع من إدارة ذاته عبر مؤسسات ديمقراطية قاعدية.

نماذج تاريخية مقارنة

الدولة الأيوبية

تمثل تجربة الدولة الأيوبية نموذجًا لوحدة متعددة الأعراق، حيث نجح صلاح الدين الأيوبي في دمج العرب والكرد والترك ضمن كيان سياسي واحد دون صهرهم في هوية أحادية.

الدولة المملوكية

كما تُظهر تجربة الدولة المملوكية استمرار نمط التحالفات المرنة بين المركز والأطراف، حيث لعبت القبائل الكردية دورًا في حفظ التوازن عبر علاقات تعاقدية.

تجربة معاصرة: روج آفا

يُشار إلى روج آفا (شمال سوريا) بوصفها مثالًا معاصرًا على إمكانية تفعيل نموذج المجتمع الديمقراطي في بيئة شديدة التعقيد. فقد أُعيد تنظيم المجتمع عبر مجالس محلية متعددة الأعراق والأديان، سمحت بتمثيل الكرد والعرب والسريان والأرمن ضمن بنية سياسية واحدة، دون إنكار خصوصياتهم الثقافية.

وقد أسهم هذا التنظيم في الحد من النزاعات الداخلية، وبناء نمط من التعايش السلمي رغم الضغوط العسكرية والسياسية المحيطة. ويُنظر إلى هذه التجربة باعتبارها محاولة عملية لتطبيق مفاهيم اللامركزية، والمشاركة الشعبية، والإدارة الذاتية المجتمعية، حيث يُبنى السلام من الداخل عبر مؤسسات المجتمع، لا عبر ترتيبات مفروضة من الخارج.

محاور التصور المستقبلي

يقدم عبدالله أوجلان تصورًا قائمًا على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. 1- الأمة الديمقراطية: إطار جامع يدمج الهويات المختلفة ضمن فضاء سياسي قائم على المشاركة والقرار الذاتي، لا على الإكراه أو الهيمنة القومية.

  2. 2- اللامركزية التشاركية: توسيع شبكة المجالس واللجان الشعبية على المستوى المحلي، بما يحقق توازنًا مرنًا بين المركز والمجتمع.

  3. 3- التنمية المستدامة والعدالة الجندرية: ربط التعايش السلمي بالاقتصاد التعاوني، وحماية البيئة، وتمكين المرأة في مواقع صنع القرار، بما يعزز ثقافة سلمية مستدامة.

ويرى هذا التصور أن هذه الآليات تمثل مسارًا تاريخيًا طويل الأمد لإعادة بناء الشرق الأوسط على أسس الاستقرار العادل، بدل استمرار الصراعات البنيوية والتدخلات الخارجية.

خاتمة

ختامًا، يمثل السلام والمجتمع الديمقراطي، وفق هذا المنظور، جسرًا بين الماضي والحاضر؛ فالتاريخ يقدم نماذج للتعايش المرن، والحاضر يفرض تحديات تتطلب تحديث هذه النماذج بأدوات أكثر عدالة واستدامة.

ومن ثمّ، فإن السلام ليس نهاية طريق، بل مسارًا مستمرًا لبناء مجتمع حر ومتوازن، قادر على إدارة تنوعه الداخلي عبر الحوار والمؤسسات القاعدية، بعيدًا عن منطق الإقصاء والصراع الصفري.

نقلاً عن مجلة الأمة الديمقراطية...

قد يهمك