موافقة اللجنة البرلمانية التركية المختصة ببحث عملية الحل للقضية الكردية، والتي تم تشكيلها ضمن إطار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، برئاسة نعمان كورتولموش، رئيس البرلمان، على التقرير المشترك النهائي بأغلبية الأصوات، يؤشر إلى أن السلطة أصبحت تمتلك رؤية جاهزة للاستخدام انتخابياً، نظراً لأن الصوت الكردي يملك قدرة ترجيحية كبيرة في أي انتخابات مستقبلية، خاصة بالمدن الكبرى في كل من إسطنبول وأنقرة وإزمير، وبما يضمن لها سحب ورقة الاستقطاب من المعارضة، حيث يعد الملف الكردي أحد أهم ملفات الاستقطاب في أي انتخابات.
وتدرك السلطة التركية أن هذه الرؤية سوف تحد وتمنع توحد الكرد مع المعارضة، بل إنها تسهم أيضاً في تراجع العمليات داخل تركيا، وارتباط ذلك بتقديم صورة للدولة المستقرة للخارج.
كما أن هذه الرؤية من شأنها أن ترسل رسالة للاتحاد الأوروبي بتأكيدها على أنها تعالج ملف المكونات سياسياً، ومن بينهم المكون الكردي، لضمان تحسين صورتها الحقوقية أمام الضغط الأوروبي لتطبيق مفهوم حق الأمل، والذي يدعم إطلاق سراح القائد الكردي السيد عبد الله أوجلان.
وانتهاء عمل اللجنة يشير إلى بلورة رؤية شاملة للتعامل مع الملف الكردي، خاصة وأن تشكيل لجنة برلمانية تركية يعد اعترافاً بأن القضية الكردية ليست أمنية فقط، بل إنها سياسية واجتماعية وثقافية.
مما يستلزم تهدئة الجبهة الداخلية، سواء على إثر الضغوط الاقتصادية أو الاستحقاقات الانتخابية، فضلاً عن خلق بيئة استقرار داخلي في جنوب شرق تركيا.
ولا يمكن إغفال أهمية انتهاء اللجنة من إعداد تقريرها وتوصياتها، وعدم انفصالها عن شمال سوريا وموقف تركيا من قسد، بما ينعكس على طبيعة التعاطي مع الكرد السوريين وفرص التسوية، فضلاً عن أنه يعد اختباراً للعلاقة مع الأحزاب الكردية، خاصة مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، والذي يعد امتداداً للحركة السياسية الكردية، بحيث يتم دمجهم سياسياً بديلاً للاستمرار في احتوائهم.
والأمر يتطلب طرح خارطة طريق في هذا الجانب بالمسار التشريعي، من خلال إعداد حزمة قوانين للإصلاح الديمقراطي، مع تعديل قانون مكافحة الإرهاب، بحيث يفرق بين النشاط السياسي والعمل المسلح، بالإضافة إلى تقليص مدد الحبس الاحتياطي، وتوسيع حرية العمل الحزبي، بما يضمن بناء الثقة السياسية، خاصة مع التوصل لأهمية تعزيز المسار الديمقراطي من خلال التوسع في حرية التعبير والعمل الحزبي والتمثيل البرلماني، وخفض القيود على الأحزاب ذات القاعدة الكردية، مع التوصل لدستور مدني جديد يعترف بالتعددية الثقافية ويعزز مفهوم المواطنة.
كما أنه من الأهمية منح البلديات صلاحيات خدمية ومالية أوسع، وتحسين الحوكمة المحلية، مع توفير آليات رقابة مركزية واضحة لطمأنة التيار القومي بأن الأمر ليس حكماً ذاتياً، فضلاً عن توسيع استخدام اللغة الكردية في التعليم والإعلام والحياة العامة، مع مراعاة إزالة الآثار النفسية للصراع، من خلال طرح برامج للمصالحة المجتمعية أو التوجه نحو إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية والمصالحة، بحيث تتولى تعويض الضحايا، وإعادة دمج المتضررين، وتوثيق الانتهاكات، وإعداد برامج تدريب وتشغيل للمسلحين الذين يتركون السلاح، وإعادة تأهيلهم اجتماعياً بضمانات أمنية.
أتصور أنه من الأهمية تحويل توصيات اللجنة التركية في تقريرها إلى مشروع وطني مستدام، خاصة إذا ما ارتبطت التوصيات بطرح خطة لمشروع شامل تنموي بالجنوب الشرقي، بحيث يشمل التوسع في إنشاء مناطق صناعية، وإطلاق حزمة لحوافز استثمارية، وإقامة مشاريع للبنية التحتية، ودعم الزراعة والطاقة، مع إتاحة الأولوية في التوظيف لأبناء المنطقة، وبحيث تسبقها برامج تدريب مهنية واسعة.
ولا بد من التأكيد على أهمية دور البرلمان كمركز للعملية، مع فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع الفاعلين المؤثرين، وفي مقدمتهم القائد الكردي السيد عبد الله أوجلان، وعبر مؤسسات الدولة التركية وبغطاء برلماني لتقليل الحساسية السياسية.
كما يمكن البناء على كل ذلك من خلال جدول زمني يتضمن ثلاث مراحل، تشمل قصيرة المدى يتم فيها الإصلاحات القانونية والخطوات الثقافية ومشاريع تنموية عاجلة، ومرحلة متوسطة المدى يتم فيها طرح برنامج لنزع السلاح وتوسيع اللامركزية الإدارية، ومرحلة ثالثة طويلة المدى تتضمن إصلاحاً دستورياً شاملاً ومصالحة مجتمعية.
أعتقد أننا بهذه الخطوات قد نقترب من مرحلة التسوية الشاملة للملف الكردي، حتى ولو على حساب عدم الاعتراف السياسي الكامل، بل عبر التنمية والاحتواء السياسي، وبما يؤشر لإعادة هندسة الملف الكردي بالكامل.