عند السّاعة الخامسة من بعد ظهر السّبت أحد أوائل شهر كانون الثّاني حيث كانت أشعّة الشّمس أمام نافذة غرفتي قد بدأت تبهت، بعدما نثرت أضواءها الذّهبيّة على الحدائق الضّيقة القريبة من منزلي، هذه المشهديّة جعلتني أغوص في أبعادٍ وجوديّةٍ بعيدةٍ عن التّشابه والتّكرار والملل، حيث اجتمعت لكي ترافق وداع الشّمس وهذا الوداع في تلك اللّحظات لم يعرف السّكينة، فكان يبرز حضور المرأة الحرّة من دون ابتكار، لا عن تقليدٍ واعٍ وإنّما على صورةٍ واعيةٍ قد حدّدت بعد غياب الشّمس موعدًا جديدًا لمستقبلٍ لا يجرؤ على الرّكون إلى الرّاحة من دون فخامةٍ خاصّةٍ تتمّتع بها المرأة الحرّة.
مشكلتنا السّياسيّة في هذه المرحلة المفصليّة في العالم هي الصرّاع على تاريخ الشّرق وتاريخ الغرب مع العلم أنّ العالم مبنيٌّ على إلهام الشّرق وماديّة الغرب وهذه المشهديّة لا تتبلور إلاّ عندما تصبح المرأة الحرّة الدّاعمة الأساس لتنظيم المرأة بفضل وعيّها الذي يستطيع أن ينجو من مواجهة الذهنيّة الذّكوريّة بعدما أصبح الحصار السّياسيّ والاقتصاديّ يعمل على فرض العقوبات بطريقةٍ عشوائيّة، همّه الحصاد قبل فوات الآوان، وسؤالنا اليوم لم هذه الذكوريّة في طريقة التّعاطي مع هذا التّدهور السّياسيّ على الصّعد كافةً؟ أين نحن من وجود الشّمس والقمر؟ وسؤالنا أيضًا من أين يأخذ القمر نوره؟ أليست الشّمس هي الحاضنة له؟ فهذا النّور بالذّات يجب الاعتماد عليه من أجل النّهوض في مسيرةٍ انتقاليّة فاعلة، شرقنا ينزف وغربنا يزحف، وبين النّزف والزّحف ينقصنا ليونةٌ حكيمةٌ تعمل على الدّمج بينهما من أجل الحصول على حقّ الأمّة الكرديّة ومعظم الشّعوب المقهورة في استعادة أرضها وحقوقها المهدورة، هذه الأرض والحقوق المسلوبة بطريقةٍ غير شرعيّةٍ أجبرتها المرأة بفضل حنكتها السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على الصّمود والمطالبة باسترجاع الهوّية من مطمع الاحتلال ومستوطنيه على مدار السّنين، وهذه اللّيونة المطلبيّة لا تمتلكها إلاّ المرأة الحرّة التي همّها بناء الوطن على حساب بناء حياتها الشّخصيّة، فالمرأة الحرّة لا تعرف الازدواجيّة الكلاميّة، المرأة الحرّة تجعل من الدّبلوماسيّة السّياسيّة خلاصًا من الحروب التي لا ترحم، ولا شكّ أنّ معظم الفلاسفة ناشدوا المرأةّ الحرّة وعلى رأسهم الفيلسوف أوجالان هذا القائد الذي لم يعرف السّكينة، هذا المفكّر المتواضع الذي همّه السّلام المطلق في سبيل خلاص الأمّة الكرديّة من الهلاك الوجوديّ والمصيريّ الذي تعاني منه من دون رحمة، وهذا الخلاص باعتقاده الرّصين يجب أن تكون ركيزته الأساسيّة حكمة المرأة الحرّة، من هنا ناشد إلى إبراز حاجة المرأة للمأسسة في مواجهة الذّهنيّة الذكوريّة التي تعمل على اقتحام أفكار المرأة الحكيمة الجريئة، لذا على المجتمع التّركيز على أنّ الذكوريّة التي تعتمد على الديّن وعلى السّياسة المبرمجين لا يمكنهما أن يخلقا وحدهما عقولاً متفتحة تفتحًا يجعلها حكيمةً أو عادلةً إلى الحدّ الذي تتمكّن فيه من خلق أمّةٍ مستقلّة، صاحبة القرار الحاسم، الحرّ، النّابض بالاستقلال الذّاتيّ البعيد عن الوصاية السّياسيّة، إذًا، الأمّة الحقيقيّة البنّاءة بحاجةٍ إلى حكمة المرأة الحرّة التي تعمل جاهدةً على رسم خطوطٍ واعدةٍ تبعدها عن الانسياق مع العنف الجماهريّ، من هنا لم يفقد القائد أوجالان إيمانه بقدرة المرأة في نثر بطولاتها الخلاصيّة، فكان للمرأة الكرديّة دورًا كبيرًا في النّضال حيث شاركت في القتال ضدّ الجماعات الإرهابيّة ، كما عملت في مجال التّعليم والصّحافة، وناهضت الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة، لأنّ حكمة القائد لم تؤمن بمعظم أفكار رجال جيله، الذين بدوا له صغارًا لدرجةٍ أنّهم لم يتمكّنوا من كتابة فصلٍ بطوليٍّ واحدٍّ في التّاريخ، بينما المرأة بفضل دعمه لها قد حقّقت بطولاتٍ بكلّ شفافيّة لأنّها استطاعت تطهير نفسها من الكراهيّة غير العادلة، ومهما حاولت أشعة الشّمس من الهروب يبقى نورها ساطعًا على الرّغم من كلّ المحاولات القمعيّة التي تتعرّض لها، هذه هي حال المرأة الحرّة ، من هنا يجب التّركيز على أنّ الحياة كمشة محبّة وبين المحبّة والحبّ مرآةٌ صامدة كرّستها المرأة المناضلة لكي تعكس تتطلّعاتها المستقبليّة بكلّ طيبة خاطر.
المجتمع أصبح يعاني من انحدارٍ غير منطقيٍّ بعدما كرّس منطق الذّكوريّة كسيّف قاطعٍ لا يميّز بين الحقيقة وبين الكذب، وهذه المعضلة القاتلة لا يمكن التّخلص منها إلا عبر مساندة مسارٍ جديدٍ ألا وهو مسارالمرأة الحرّة الدّاعم للوجود النّسائي التّنظيميّ الذي يعمل على بناء المجتمع والمستقبل من دون قيودٍ أو ضغوطاتٍ اجتماعيّةٍ أو مجتمعيّةٍ حيث تتحكّم بقراراتها المصيريّة، تختارمضامينها ضمن إطار حقوق المرأة التي همّها تعزيز العدالة والمشاركة الفعّالة في تحقيق التّنميّة المستدامة التي تحتاج إلى المؤسّسات لضمان التّمكين والمساواة في الفرص والمناصب والقرارات عبر تغيير الصّور النّمطيّة الذّكوريّة، وتقديم الدّعم في ريادة الأعمال والتّطور القياديّ، وتوفير بيئةٍ آمنةٍ خاليةٍ من التحرّش لتحقيق النّجاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسّياسيّ الذّي بفضل مأسسة المرأة سيتوّج مسارًا جديدًا في السّياسة الدّوليّة ومن أهمّ عناصر هذا المسار الجديد الذي رُسم بفضل مأسسة المرأة بدعمٍ من المرأة الحرّة الحكيمة:
-عدم الفائدة من العواطف المنحطّة للعقول المنحطّة، فهي لم تغيّر قناعاتها، فعارضت التّعصب الذّكوريّ لأنّه حوّل في ذهنه الحياة السّياسيّة إلى نظريّةٍ واحدة، وإلى مفهومٍ غير منطقيّ، تاركًا كلّ خبرةٍ وراءه ، وهذا الانحطاط الفكريّ الذّكوريّ أجبرها على اقتحام معترك السّياسة من بابها العريض.
- عدم الثّقة بالارتباطات السّياسيّة الصّرف التي تحول بين النّاس من دون نتيجة، ممّا دفع بالمرأة إلى إبرازمسيرةٍ تّغيريّةٍ عملت عبرها على وضع أفكارها النّضاليّة ضمن نظامٍ جديدٍ حاولت عبره أن تفضّ الصّراع بين الولاء والعداء حيث تقضي الضّرورة السّياسيّة الدّوليّة.
- الوقوف إلى جانب السّياسة التي تهدف إلى تعزيز المصالح السّياسيّة القوميّة عبر الحفاظ على الهويّة الثقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة للشّعوب المقهورة المهمّشة التي سُلب منها كلّ مقوّمات الاستقرار المبنيّ على مصالح الوطن والشّعب.
- الابتعاد عن العواطف الشّخصيّة التي تعيق نضالها بعدما عملت جاهدةً على تنقية خيالها من العنف الذّكوريّ، عبر استخدامها الصّورة الحياتيّة البعيدة عن المنطق العاطفيّ، لكنّها لم تتخلّ عن إيمانها بالعمل الثّوري النّضالي الذي لا يقلّ واقعيّةً عن حياتها الخاصّة، بعد أن هيّأت نفسها لمواجهة العالم الجديد الذي جابته بفضل علمها وذكائها وإخلاصها ونضالها وحريّتها ...
- التّركيز على ضرورة الابتعاد عن التمرّد الذي يُحيك مضمونًا للحرب عبر اعتماد الحكم الذّاتيّ بواسطة منح صلاحيّاتٍ واسعةٍ لإدارة شؤونه بنفسه، إقتصاديًّا، اجتماعيًّا، تعليميًّا، إداريًّا، مع بقاء السّيادة العليا للدّولة المركزيّة، وهو شكلٌ من أشكال اللاّمركزيّة الهادف إلى تحقيق الاستقرار الدّاخليّ ضمن قوانين داعمة للأمّة الكرديّة وللشعوب المقهورة.
هذه العناصر أرادتها المرأة لكي تكون الدّافع لإنقاذ الثّورة الوجوديّة، التي أرادت أن تمرّ على الماضي عبر عقلها متسائلةً إن كانت تستطيع فعل شيءٍ من أجل مستقبل الأجيال الصّاعدة، أولئك الشّباب الذين همّهم الاتّجاه الآخر، أي التّضامن مع فكر وحكمة واندفاع المرأة الحرّة التي تحاول جاهدةً إلى مأسسة المرأة عبر استبدال كلمة الثّورة بكلمة الانتفاضة، وهذا ما مكّنها إلى تحقيق الانتصارات، عبر محاولاتها للدّفاع عن الجّهود التي بذلتها منذ سنوات، وهذا الواقع الذي نشهده على السّاح السّياسيّ من قبل دعم المرأة الحرّة أراده القائد أن يكون الأكثر وضوحًا أمام المجتع الكرديّ والمجتمعات كافةً بعدما برهنت المرأة أنّها تعيش الأحداث من دون تردّد في اتّخاذ القرارات عبر مناصرة الكرامات التي باتت مأساويّةً بفضل أسر القادة الذين هم زعماء الفّكر والمصالحة، سلاحهم الكلمة التي لا تقهر، لذا أصبح من الواجب الاعتراف بأنّ قدرات النّساء الحكيمات الأحرار يعتبر بترولاً جديدًا يقود العالم إلى السّلام المنتظر، وهذا الدّعم للمرأة الذي تبنّاه القائد أوجالان في حلّ قضية الأمّة الكرديّة بدأت معالمه تظهر أكثر فأكثر، ومن أبرز النّساء الكرديّات اللّواتي لعبن أدوارًا هامّة في المجتمع والسّياسة:
عديلة خانم (1847-1924): وهي حاكمةٌ كرديّةٌ معروفةٌ اشتهرت بشخصيّتها القويّة، عملت في مجال السّياسة وهي من أوائل الكّرديات النّسائيّة الشّهيرة في تاريخ كردستان حيث أطلق عليها البريطانيون أميرة الشّجعان.
سكينة جانسيز(2023-1958): المناضلة ، تمّ سجنها عام 1980 بعد الانقلاب العسكريّ التّركيّ، وقضت عشر سنوات في سجن ديار بكر قبل إطلاق سراحها عام 1991 وهي شخصيّةٌ مهمّةٌ انخرطت في العمل الثّوري الكرديّ، وقد أسهمت في صناعة الأحداث بصفةٍ عامّةٍ وخاصّةٍ وهي واحدةٌ من أهمّ مؤسّسي حزب العمال الكردستاني وهنا تكمن أهميّة رؤيّة المناضلة سكينة الملقّبة بـ سارة للقضيّة الكرديّة.
ليلى زانا (3 أيار 1961): المناضلة، خمسة عشر عامًا في السّجن ظلمًا وخرجت عظيمةً أمام شعبها وهي ناشطةٌ سياسيّةٌ ومواطنةٌ تركيّةٌ من أصلٍ كرديّ ، تعدّ واحدة من قادة القوميّين الأكراد وعضو بالفترة الأربعة وعشرين بالجمعيّة الوطنيّة الكبرى بتركيا، وهي أوّل امرأةٍ كرديّةٍ تمّ انتخابها للبرلمان التّركيّ في عام 1991 لقد بدأت حلف اليمين باللّغة التركيّة ثم أكملته باللّغة الكرديّة وكانت ترتدي وشاحًا يوجد به ألوان العلم الكرديّ.
آسيا عبد الله(1971): هي سياسيّةٌ وناشطةٌ كرديّةٌ بارزةٌ تعمل على تأسيس الإدارة الذّاتية لشمال وشرق سوريا وهي رئيسةٌ مشاركةٌ في حركة المجتمع الدّيمقراطيّ، كما شغلت سابقًا منصب رئيسة مشاركة في حزب الاتّحاد وهي تشغل منصبًا دائمًا في اتّحاد الجمعيّات الكرديّة.
وداد عقراوي(1969) : هي حقوقيّةٌ كرديّة، واخصائيّةٌ في علم الوراثة، خبيرةٌ في الصّحة الدّوليّة والأمراض السّرطانيّة وناشطة حقوق الإنسان لقد ظهرت لديها منذ طفولتها روح التّحدّي والتّمرّد على القيود وهي رئيسة منظمة الدّفاع الدّوليّة، كما نالت جائزة "فيفر" الدّوليّة للسّلام عام 2014.
تولاي حاتم أوغولارى (1977): وهي ناشطةٌ سياسيّةٌ كرديّة، إنّها قياديّةٌ في حزب المساواة وديقراطيّة الشّعوب، وهي شخصيةٌ بارزة تدافع عن حقوق الأكراد والسّياسيين المنتخبين ولا سيّما في ظلّ الانتقادات الموجّهة للحكومة التّركيّة بشأن الاعتقالات والاضطهادات ضدّهم.
هؤلاء النّساء وغيرهن كثيرات لعبن دورًا كبيرًا في تعزيز حقوق الإنسان ودعم مأسسة المرأة الكرديّة النضاليّة في سبيل مناهضة الامّة الكرديّة المقهورة من أجل الحصول على حقوقها المهدورة.
أمام هذه المسيرة النّضاليّة التي أرادتها المرأة الكرديّة بسبب عيشها حياة أكثر امتلاءً، أكثر حريّةً ومغامرةً، سواءً في السّجن كانت أم حاملة سلاح، أم نشاطةٌ مدنيّةٌ وكلّ هذه النّضالات من أجل معالجة الهيمنة السّياسيّة المدمّرة للحصول على التّعايش المشترك ضمن مجتمعٍ بنّاءٍ ينظر إلى الصّخب السّياسيّ على طرفين متباعدين كالخير والشّرّ، لأنّ حقوق المرأة تعي جمالها المكتمل الذي أساسه حبّ الحياة نفسها، أي حياة الحريّة والطّمأنينة ضمن إطار السّيادة بمضمون أوسع، هذا الواقع الذي أصبح معاشًا اليوم تدريجيًّا قد رسمه القائد أوجالان عبر مقارنةٍ واسعةٍ أظهر فيها أهميّة السّلام بعد صياغةٍ عميقةٍ في عقله التي أظهر عبرها أبعاد فلسفته للتّاريخ المنتظر، بعد أن أظهرت الثّورة بصورةٍ واضحةٍ طريق حياته التي أحبّها بعاطفةٍ تجمع بين الأمّة الكرديّة وبين الرّعاية للمرأة النّضاليّة، عاملاً جاهدًا على وضع مسارٍ عميقٍ لنهايّة الحروب ووقف التّنكيل والسّجن وفرض العقوبات غير المحقّة، بعد أن بدأ تدريجيًّا في وضع صيغة فلسفته الرؤيويّة التي تعكس خلفيّة أفكاره بعد سنوات طويلةٍ من العصيان المسلّح والتّمرّد المدنيّ والقتال الفدائيّ...
وظاهرة وجود المرأة في صلب القيادة اليوم قد توّجتها السيّدة " ديلسي رودريغيز" وهي سياسية ودبلوماسيّة فنزويليّة توّلت منصب الرّئيس المؤقّت لفنزويلا منذ 3 يناير بعد اعتقال الرئيس السّابق "نيكولاس مادورو" وهي ابنة السّياسيّ الماركسيّ "خورخي أنطونيو رودريغيز" وكانت قد توّلت عدة مناصب منها وزيرة الاتّصالات والإعلام ووزيرة النّفط ، إنّها المرأة الحرّة التي تخصّصت في قانون العمل في باريس مما ساندها في التّاثير الإيجابيّ على السّياسة الدوليّة.
واليوم من لبنان لقد تمّ ترشيح السيّدة أيفون عبد الباقي من قضاء الشّوف لمنصب الأمين العام للأمم المتّحدة، وهي توّلت منصب سفيرة الإكوادور في واشنطن، لديها علاقات دوليّة واسعة، وكانت مرشّحة لرئاسة الإكوادور وتوّلت عدّة مناصب دبلوماسيّة، هذه المرأة الحرّة المميزة الدّاعمة إلى مأسسة المرأة تنضمّ إلى قافلة النّساء النّاجحات في العالم.
لذا هذه نشأة المرأة الحرّة صاحبة الأخلاق، والإدارة، والاجتماع، والصّدق، والمعرفة، والقيادة، والثّقافة، والفلسفة والرّيادة ... هي رحلة تطوّر عبر التّاريخ والمجتمعات، فكانت منذ طفولتها تترّقب مرور الأحداث بلهفةٍ وشوق، وتعطيها اندفاعًا نضاليًّا لأنّها تعترف بصدق الحريّات في معالجة الأحداث في سبيل الإنسانيّة والمجتمعات الحرّة في العالم.
=====
نشر المقال بالعدد السادس من مجلة الأمة الديمقراطية
منبر الرأي