بث تجريبي

بدون إحراج .. سيد أبواليزيد بكتب: شيطنة قسد!!

المتابع والمراقب للقنوات العربية التلفزيونية الأكثر تأثيرًا على المشاهد، وبخاصة في منطقة الخليج العربي، سوف يندهش من السلوك المعادي لها لقوات سوريا الديمقراطية، والمعروفة بـ”قسد”، رغم دورها الواضح في التغلب على التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها داعش، التي تمثل خطورة على الدول العربية.

ولو كانت قسد ميليشيا إرهابية، لما حاربت مثل هذه التنظيمات الإرهابية، ولما حققت نجاحات في ضبط الأمن بمنطقة واسعة من سوريا، فضلًا عن حماية الأقليات. وبالتالي، فإن استبعادها من المشهد سوف يخلق فراغًا أمنيًا لا تستطيع قوات، مهما كانت قدراتها، أن تحل مكانها أو تؤدي دورها.

ولكن من الملاحظ تشابك السياسة مع الإعلام، واستغلال الإعلام كأداة حرب في أوقات الصراع، مما يؤثر على المهنية والموضوعية في التغطيات الإعلامية. ولذلك نجد تبنّي هذه القنوات لرؤية مالكيها من الدول التي ربما تتحفظ على قسد، سواء بسبب علاقتها المتميزة مع دولة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط ولها عداء مسبق مع الكرد، أو نتيجة رؤية من المحتمل أن تكون قاصرة، خاصة إذا ما ارتبط لديها مفهوم الإدارة الذاتية أو اللامركزية بأنه انفصال عن الدولة السورية.

ومن هنا نرى ونرصد غياب التوازن والموضوعية والحياد في التغطيات الإعلامية لهذه القنوات تجاه قوات سوريا الديمقراطية، حيث يتم تضخيم أي خطأ يمكن أن تقع فيه قسد عن غير قصد، من خلال تغطية موسعة وتقارير وشهود، والاستعانة بمعارضين لقسد، أو محللين من دول لديها خصومة معها في برامجها الحوارية، فضلًا عن تجاهل التعامل مع المتحدث الرسمي لقسد. وبالتالي، ليس أمام المشاهد سوى التعرض لرواية واحدة فقط!!

ربما ترى مالكة هذه القنوات في خصومتها لقسد أنها قوة الأمر الواقع، ولذلك هي لا تنسجم مع هذا التصور، خاصة إذا ما كان لديها انطباع بأن قسد قد تصبح مشروعًا انفصاليًا عن سوريا، فضلًا عن الحساسية العربية من أي مشروع كردي مسلح قد يتحول مستقبلًا إلى كيانات إثنية مسلحة، وأن قسد ذات قيادة كردية يسهل تصويرها كقوة غير عربية، وما يستتبعه ذلك من احتمال تفكيك الدولة الوطنية.

ولا يمكن إغفال أن هذه الدول المالكة لهذه القنوات، في رؤيتها للصراع على من يمثل الثورة السورية، وعدم انخراط قسد في خطاب الثورة التقليدي، حيث إنها تبنت مشروع الإدارة الذاتية، وشاركت في تفاهمات براغماتية مع دمشق وموسكو أحيانًا، مما يجعلها خصمًا سرديًا لقنوات تبنت منذ البداية رواية محددة للصراع.

وغالبًا ما نلحظ أن هذه القنوات تقدم قسد للمشاهد على أنها مشروع انفصالي، وتربطها بتفكيك الدولة السورية بهدف الوصول إلى دويلة كردية. ولذلك نجد أن هذه القنوات تخاطب الحس القومي العربي، وتلعب على هذا الوتر، ومن خلال توجهها لفزاعة سياسية تركز على توجه قسد نحو اللامركزية، رغم أن ذلك لا يعني الانفصال.

وهذه القنوات، وغيرها من بعض المنصات الإعلامية والصحفية الأخرى، لا تقول للمشاهد أو القارئ أو المستمع إن قسد عدو، بل تجعله يصل وحده إلى هذه النتيجة عبر كلمات يتم انتقاؤها بحرفية، واستخدام مصطلحات مثل “تنظيم الكرد المسلح” و”ميليشيات قسد”، مع الغياب المتعمد للسياق، وهو ما يعد أخطر أنواع التأثير، من خلال الوصول لصورة ذهنية للمتلقي الإعلامي بأن قسد إرهابية. ويُستخدم هذا البعد لإثارة الرأي العام العربي ضدها، خاصة في أوقات التوتر، والهدف في النهاية محاولة نزع شرعية قسد باعتبارها خصمًا سياسيًا.

وشيطنة قسد في هذه القنوات الإعلامية ليست نابعة من سلوك قسد على الأرض، بل من اعتبارات سياسية إقليمية وتحالفات دولية. ولذلك تظهر دائمًا سرديات إعلامية جاهزة عن الهوية والانفصال والنفوذ الأمريكي. ولهذا نلاحظ غياب التوازن في التغطيات الإعلامية، وتقديم قسد في كثير من الأوقات على أنها أداة أمريكية أو وكيل محلي، وعبارة عن جزء من مشروع نفوذ غربي في المنطقة، وهو ما يعد خطأ شائعًا في الإعلام العربي، خاصة عند تناول أي فاعل غير عربي مدعوم أمريكيًا.

وفي الوقت الذي ينظر فيه الإعلام بالقاهرة إلى قسد كأمر واقع وفاعل يسيطر على مساحة واسعة من شمال شرق سوريا، وهي منطقة حساسة، فضلًا عن أنها قوة ساهمت فعليًا في هزيمة داعش، تهتم القاهرة بتحقيق الاستقرار لأبناء سوريا الشقيق، والمحافظة على وحدة الأراضي السورية.

كما ترفض القاهرة التعامل مع قسد على أنها ميليشيا أو جماعة إرهابية خارجة على القانون، بل تراها مكونًا يمكن دمجه لاحقًا في تسوية سياسية شاملة تضمن وحدة الدولة السورية، حيث إن التجربة المصرية مع الإرهاب تجعلها أقل حماسة لدعم جماعات مسلحة غير منضبطة، لكنها في الوقت نفسه تميز بين قوى تحارب الإرهاب وقوى تصنعه، ومن هنا لا تضع قسد في نفس السلة مع الفصائل الجهادية، وهو ما تفعله بعض التغطيات الإعلامية، وخاصة في منطقة الخليج.

من المؤكد أن إقصاء قسد إعلاميًا وسياسيًا يعقّد الحل دومًا، بل إن إشراكها بشروط الدولة السورية يسهل التسوية. وتفادي شيطنتها يستلزم أن تتوجه إلى الإعلام العربي، وليس الغربي، من خلال الانفتاح عليه. ولذلك سعدت بافتتاح إحدى القنوات الخليجية مكتبًا إعلاميًا لها بالمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، بحيث يكون باكورة تعاون مثمر لصالح استقرار سوريا، ولضمان خروجها من النفق المظلم.

قد يهمك