بث تجريبي

بدون إحراج .. سيد أبو اليزيد يكتب: الدستور هو الحل

يترقب المراقبون الدوليون والمحليون السياسيون ما سوف تُسفر عنه الزيارة الرسمية والمرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، والمباحثات التي سيُجريها خلال الساعات القادمة، وما سوف يتم التفاوض عليه، خاصة إذا ما تم استعراض الاتفاق الأخير الذي جرى بين قوات "قسد" والحكومة المؤقتة؛ وذلك بهدف ضمان استقرار الأوضاع الأمنية في سوريا، والمحافظة على وحدة أراضيها، وعلى حقوق كافة المكونات السورية، ومن بينها المكون الكردي، الذي يتعرض خلال حقب وفترات زمنية متباينة لأشكال مختلفة من إهدار حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وأهمية اللقاء تأتي في أعقاب المرتكزات الأساسية التي حددتها القاهرة للانطلاق نحو حل المشكلة السورية، التي تزداد كل يوم تعقيدًا بسبب التدخلات الخارجية، بما يؤثر على الأوضاع الأمنية في سوريا، خاصة مع مطالبات القاهرة بحتمية خروج الميليشيات الإرهابية، وفي مقدمتها الأجنبية، التي تهدد سلامة المنطقة، فضلًا عن إطلاق الحوار بين كافة المكونات السورية.

ولذلك نجد أنه من المتصور أن تلعب الجهات الأمنية والاستخباراتية التركية دورًا مهمًا، بما لديها من إمكانيات وقدرات، لتحييد الجماعات والميليشيات الإرهابية التي تهدد وحدة الكيان السوري.

كما لا يمكن إغفال الدور الأمريكي في الساحة السورية، والذي يدعم الحكومة الانتقالية إرضاءً لتركيا على حساب التضحية بالكرد، بالرغم من أن 75% من أعضاء الحكومة المؤقتة مطلوبون للعدالة الدولية، وفي الوقت الذي يدافع فيه "ترامب" عن حكومة "الشرع"!

وبالرغم من وجود علاقات جيدة بين قوات سوريا الديمقراطية وأمريكا، إلا أنها مقتصرة على الجانب العسكري فقط، ولم ترقَ إلى المستوى السياسي أو التعاون الاقتصادي؛ حيث ترى أمريكا أهمية الدور الحيوي لقوات "قسد" في محاربة ميليشيات وجماعات الإرهاب، في الوقت الذي لا يخفى فيه على أحد أن السر الأساسي وراء الدعم الأمريكي لـ "الجولاني" هو موافقته على التنسيق مع الكيان الإسرائيلي المحتل للأراضي العربية.

كما يرى كثير من المحللين السياسيين أن أمريكا تعيش على زرع التوترات والخلافات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك كثيرًا ما يتم استثمار وجود الجماعات المتطرفة والمتشددة لطرح مشاريعها ورعايتها لصالح مصالحها، بما يدفعها لدعم العناصر المتشددة في الحكومة السورية الانتقالية الحالية، رغم أن "البنتاغون" ليس لديه ثقة في فصائل الحكومة المؤقتة، بل إنه يعارض "ترامب" في دعمه لها، فضلًا عن انزعاج عدد من أعضاء "الكونغرس" من الأحداث المؤسفة التي تعرضت لها قوات سوريا الديمقراطية، من حيث الممارسات الوحشية التي ارتكبها الجيش السوري في حق الضحايا الكرد، من التمثيل والتنكيل بهم بصورة بشعة ومروعة، بعيدة كل البعد عن الأخلاقيات الدينية.

ولم يكن غريبًا إزاء هذه الأحداث المحرمة والمجرَّمة دوليًا تحرك المجتمع الأوروبي رفضًا لهذه المجازر، مما دفع أعضاءً من "الكونغرس" الأمريكي للمطالبة بقانون لإنقاذ الكرد خلال الخمسة أشهر القادمة، وهو نفس الموقف الذي اتخذه الرئيس الفرنسي لدعم المكون الكردي، حتى في الاتفاق الأخير نهاية يناير الماضي مع الحكومة الانتقالية.

ونجاح الاتفاق الأخير مرهون بتلبية احتياجات كل طرف من أطراف الصراع، لذلك نرى كل طرف يتناول الاتفاق من زاويته الخاصة، علمًا بأنه يغلب عليه الطابع الانتقالي، والذي يبدأ من الناحية العسكرية وترتيباتها، ويتعامل مع "قسد" كقوة يُراد تحييدها ثم تفكيكها لإعادة هيكلتها داخل البنية الرسمية، ليصل في النهاية إلى ما هو سياسي.

وإذا كان الاتفاق قد تم صياغته بصورة وسطية، ولا يُلغي تجربة الإدارة الذاتية، ولا يجعلها في نفس الوقت مستقلة، كما أنه لم يستخدم لغة الحل بقدر استخدامه لغة الدمج، رغم أن الكثيرين يعتبرون الإدارة الذاتية هي "الإضاءة"، فبالرغم من الحصار المحكم عليها من كل القوى، إلا أنها استطاعت أن تحقق الكثير من المكاسب للمواطن السوري من حيث توفير الأمن والغذاء له، بالإضافة إلى تحقيق التعايش السلمي مع باقي المكونات.

كما أنه من الأهمية في هذا الاتفاق أنه نص على كل ما يتعلق بالاعتراف الضمني بالخصوصية الجغرافية والعسكرية لمناطق "قسد"، ورغم ذلك يرى البعض صعوبة دمج "قسد" في الجيش السوري غير النظامي بسبب أنه قائم على ميليشيات.

نحن أمام اتفاق يصفه البعض بـ "الصدمة العصبية"، ولا يُنهي الصراع، ولكن يُعلقه، ولا يحسم شكل الدولة، ولكنه يفتح باب التفاوض حولها، كما أن الاتفاق يراهن على الوقت ويختبر النوايا قبل الدخول في السلوك اليومي على الأرض.

من الأهمية الحرص على فرض اتفاق يعالج جذور المشكلة السورية، ولا يتحول إلى اتفاق سياسي أمني فقط، وصولًا إلى الحل النهائي لحل المشكلة برمتها، والمحافظة على وحدة وسيادة الأراضي السورية.

 

قد يهمك