أفغنة سوريا لا تعني ما يجري داخل حدودها فقط، بل ما يُراد تعميمه خارجها.. فحين تُفكَّك الدولة، وتُحيَّد القوى التي هزمت الإرهاب، ويُعاد تدوير الجهادية بأسماء ووظائف جديدة، تتحول البلاد إلى مختبر إقليمي لإدارة الفوضى، لا إلى ساحة انتقال سياسي.
هذا المختبر لا يقوم على انفجار شامل يربك الجميع، ولا على سلام حقيقي يُنتج سيادة، بل على فراغ مُدار: هدوء أمني هش، سلطات أمر واقع، مجتمعات تُستنزف من الداخل، فيما تُضبط الإيقاعات من الخارج بدقة باردة.
الخطير في المسار الحالي ليس صعود واجهات جديدة فحسب، بل إعادة تدوير داعش نفسه.
لا كتنظيم يرفع رايته ويسيطر على مدن، بل كشبكات وخلايا نائمة وخطاب متحرّك وملفات مؤجلة قابلة للاستخدام عند الحاجة.
حين تُفرَّغ التصنيفات الإرهابية من مضمونها، وحين تُدار ملفات السجون والمخيمات بمنطق التسكين لا الحل، يصبح الإرهاب أداة ضغط لا خطرًا يُراد اجتثاثه.. هكذا لا يُهزم الإرهاب، بل يُعاد ضبطه وتكييفه مع المرحلة.
لا يمكن فهم أفغنة سوريا من دون التوقف طويلًا عند الدور التركي. فأنقرة لا تتعامل مع الفوضى بوصفها نتيجة جانبية، بل كأداة إدارة إقليمية: حدود رخوة، عبور مسلّحين، ضغط ديموغرافي، واستخدام الجماعات المسلحة كورقة تفاوض دائمة.
تركيا لا تريد دولة سورية قوية، لأنها تُقيِّد نفوذها، ولا تريد انهيارًا شاملًا، لأنه يرتدّ عليها أمنيًّا.
ما تريده هو منطقة رمادية: لا دولة، ولا فوضى كاملة.. بل سيولة قابلة للتحكم، تُستخدم لموازنة علاقتها بروسيا وإيران وواشنطن، ولضبط الداخل التركي نفسه.
الموقف الأمريكي لا يقف خارج هذا المشهد، بل في قلبه.. في ظل إدارة دونالد ترامب، ومع أدوار شخصيات مثل توماس باراك في الكواليس، يتكرس منطق واضح: خفض الكلفة، منع الخصوم من تحقيق نصر استراتيجي، وعدم الاستثمار في بناء الدول.
بهذا المنطق، تصبح الفوضى المُدارة أقل كلفة من الاستقرار الحقيقي، ويضبط الإرهاب بدل اجتثاثه، وتتحول سوريا إلى ساحة اختبار لسياسة “إدارة الأزمات” لا حلها.
في قلب هذه المعادلة، يقف أمن إسرائيل بوصفه البوصلة الأكثر ثباتًا. سوريا مفككة، بلا دولة مركزية، وبلا جيش وطني جامع، هي السيناريو الأمثل لتل أبيب، لا سوريا مستقرة تمتلك قرارها وسيادتها.
من هنا، لا تبدو التفاهمات غير المعلنة، ولا التساهل مع واجهات جهادية منضبطة، ولا إعادة تدوير الإرهاب، تناقضات عارضة، بل أدوات منسجمة داخل رؤية واحدة.
أفغنة سوريا لا تتوقف عند حدودها.. العراق هو الارتداد الأكثر خطورة، لأنه الساحة الجاهزة: حدود مفتوحة، خلايا نائمة، انقسام سياسي، وذاكرة جريحة لم تُغلق بعد.
حين تُدار سوريا بالفوضى، يُفتح الباب تلقائيًا لزعزعة العراق، وحين يُضرب العراق، تُعاد خلط أوراق الإقليم كله، من الخليج إلى المتوسط.
الأخطر من الفوضى ذاتها هو تطبيعها: أن يصبح وجود جماعات مسلحة عقائدية أمرًا واقعًا، وأن تُختزل الدولة في وظيفة أمنية، وأن يُعاد تعريف الاستقرار بوصفه غياب المعارك لا حضور السيادة.. هنا تتحول الأفغنة من سيناريو مؤقت إلى نموذج قابل للتعميم.
من إسقاط الدولة، إلى تحييد من هزم داعش، إلى شرعنة الجهادية بصيغ جديدة، إلى أفغنة سوريا.. ثم الإقليم، لسنا أمام أخطاء في التقدير، بل أمام خيار سياسي واعٍ، تدار فيه المنطقة عبر الفوضى لا السياسة، وعبر الوكلاء لا الدول.
....... نقلاً عن موقع بوابة فيتو
منبر الرأي
منبر الرأي