بث تجريبي

طه علي يكتب: هدوء ما قبل العاصفة؟ قراءة في التهدئة بين إسرائيل وإيران

من ينظر إلى سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، لن يجد ثابتًا أوضح من موقفه المتشدد تجاه إيران. فعلى امتداد عقود، لم يتوقف عن تنديد مخاطر امتلاك طهران للسلاح النووي، معتبرًا أن نظامًا يرفع شعار «الموت لإسرائيل» ويجاهر بعدائه الوجودي، يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل وبقائها.

وقد ظل هذا التصور يحكم العلاقة بين الطرفين، التي اتخذت لسنوات شكل حرب خفية، قبل أن تنتقل إلى مستوى أكثر علنية منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي نفذته حركة حماس في فلسطين، بدعم سياسي "على الأقل" من إيران. ومنذ ذلك الحين، شهدت إسرائيل وإيران ثلاث جولات من المواجهة المباشرة، بلغت ذروتها في حرب محدودة استمرت 12 يومًا في يونيو الماضي. ورغم توقف القتال، إلا أنه لا توجد مؤشرات حقيقية على أن الصراع وصل ذروته وبلغ نهايته.

تراجع تكتيكي ليس أكثر

حملت الأشهر الأخيرة تطورًا غير متوقع؛ فبينما تواجه إيران اضطرابات داخلية متصاعدة على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية وبلوغ التضخم مستويات قياسية، اختار نتنياهو التراجع خطوة إلى الخلف. فقد تحدثت تقارير عن تفاهم غير معلن بين تل أبيب وطهران يقضي بتجنّب المواجهة المباشرة، في وقت لعبت فيه دول خليجية دورًا في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران.

غير أن هذا التفاهم لا يبدو، وفق معظم التقديرات، أكثر من هدنة تكتيكية فرضتها ظروف مرحلية، وليس تحولًا استراتيجيًا في مسار العداء العميق بين الطرفين. كل المعطيات تشير إلى أن فترة الهدوء قصيرة، وأن الجولة المقبلة من الصراع قد تكون أوسع وأكثر كلفة من سابقاتها.

اعتبارات عسكرية ضاغطة

يمكن تفسير هذا التريث الإسرائيلي بدرجة كبيرة على أنه حسابات عملياتية وليست استراتيجية. فقد أظهرت حرب يونيو أن الصواريخ الإيرانية قادرة على إلحاق خسائر بشرية ومادية ملموسة داخل إسرائيل، رغم فاعلية منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية.

مع نهاية الحرب، برزت مؤشرات على تراجع مخزون صواريخ الاعتراض المتطورة، لا سيما منظومة "آرو"، إلى جانب تقلص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة مقارنة بالفترة السابقة.

في الوقت نفسه، تواجه إسرائيل تحديات أكثر إلحاحًا على جبهتها الشمالية؛ فحزب الله، رغم الخسائر التي تكبدها في خريف 2024، لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة، فضلًا عن الدعم المالي الذي يتلقاه من طهران، وفق تقارير أمريكية. هذه المعطيات دفعت إسرائيل لتأجيل مواجهة جديدة مع طهران، ريثما تعالج تهديدات أقرب وأكثر مباشرة.

عودة التركيز إلى إيران

رغم التوازن المؤقت، يبدو مرشحًا للاختلال سريعًا؛ فإسرائيل شرعت في تعزيز قدراتها الدفاعية، مع وعود بتسريع إنتاج صواريخ "آرو" واختبار منظومات أحدث. وعلى الجبهة اللبنانية، ورغم بدء تنفيذ ترتيبات نزع سلاح حزب الله، ترى الحكومة الإسرائيلية أن الخطوات المتخذة غير كافية، ما يضعها أمام خيارين: انتظار المسار السياسي أو اللجوء إلى الحسم العسكري.

مع أي تطور على هذه الجبهة، سيعود تركيز إسرائيل تلقائيًا إلى إيران. فرغم الأضرار الكبيرة التي ألحقتها الضربات الجوية الأخيرة بالبرنامج النووي الإيراني، إلا أن طهران لم تتخل عن طموحاتها، حيث تشير تقارير إلى موافقة المرشد الأعلى سرًا على تطوير رؤوس نووية مصغّرة، وظهور مواقع نووية جديدة أكثر تحصينًا تحت الأرض.

سباق تسلح ومخاطر توسّع الصراع

تعمل إيران على إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، بدعم صيني لبرنامجها الصاروخي وتسارع التعاون النووي المدني مع روسيا، فضلًا عن مزاعم حول برامج كيميائية وبيولوجية. كل ذلك يعزز القلق الإسرائيلي من أن التهديد الإيراني لا يتراجع، بل يعيد تشكيل نفسه.

في هذا السياق، تميل العقيدة الأمنية الإسرائيلية نحو الاستباق بدل الردع، خصوصًا بعد إثبات إيران قدرتها على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. كما يدخل نتنياهو عام 2026 الانتخابي، وهو بحاجة لإثبات قدرته على ضمان الأمن، في ظل ضغوط من ائتلاف يميني متشدد يرفض أي مظهر للتساهل مع إيران.

حرب أكبر في الأفق؟

الحديث الإسرائيلي المتزايد عن ضربة استباقية جديدة يعكس هذا التحول. فإيران، رغم محاولات ترميم دفاعاتها الجوية، لا تزال في وضع هش نسبيًا، ما يفتح نافذة عملياتية قد لا ترغب إسرائيل في تفويتها. لكن أي مواجهة مقبلة قد تكون أعقد وأكثر اتساعًا، نظرًا لتعدد الأهداف الإيرانية وتوزعها الجغرافي، ووجود منشآت شديدة التحصين تتطلب دعمًا عسكريًا أميركيًا مباشرًا.

في المقابل، تراهن طهران على أن إسرائيل لن تحتمل حربًا طويلة ومكلفة، وتسعى لتجنب هزيمة سريعة قد تضعف النظام داخليًا، في وقت لا تزال آثار الاحتجاجات الواسعة حاضرة.

نهاية هدنة وبداية مرحلة أخطر

صحيح أن الشرق الأوسط مليء بالمفاجآت، وأن عوامل مثل تطور الاحتجاجات في إيران، أو الإرهاق الشعبي داخل إسرائيل، أو حسابات القوى الكبرى قد تعيد خلط الأوراق. لكن في المحصلة، تبدو التهدئة الحالية بين إسرائيل وإيران أقرب إلى فاصل قصير بين جولات صراع، لا إلى مسار مستدام. وعندما تنهار هذه الهدنة، فإن المؤشرات تدل على أن المواجهة المقبلة قد تكون أوسع نطاقًا، وأكثر تدميرًا، وأشد تعقيدًا من كل ما سبقها.

نقلاً عن المشهد... 

قد يهمك