شكّلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تحولاً مهماً في مسار المواجهة بين البلدين، إذ يرى الكاتب أنها منحت طهران مساحة للتنفس اقتصادياً وسياسياً، مقابل قيود محدودة على ملفاتها النووية والصاروخية ونفوذها الإقليمي.
وبحسب رؤية الكاتب، فإن انهيار هذا التفاهم وعودة التصعيد بين واشنطن وطهران يفرضان على الولايات المتحدة إعادة تقييم سياستها تجاه الملف الكردي الإيراني، باعتبار أن القوى الكردية يمكن أن تمثل عاملاً مؤثراً في أي محاولة للضغط على النظام الإيراني من الداخل.
ويرى أوزجان أن أي مواجهة جديدة مع إيران لن تحقق نتائج استراتيجية طويلة الأمد ما لم تتعامل واشنطن مع القضية الكردية باعتبارها جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية داخل إيران، وليس مجرد ورقة تستخدم خلال فترات الصراع.
جبهة كردية لم تكتمل
خلال الأيام الأولى من عملية "الغضب الساطع"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لتحرك كردي ضد النظام الإيراني، لكن الكاتب يرى أن هذا الدعم بقي في إطار التصريحات ولم يتحول إلى خطة عملية واضحة.
ويشير أوزجان إلى أن واشنطن واجهت ثلاثة عوائق رئيسية؛ أولها عدم فهمها الكامل لخريطة القوى الكردية الإيرانية وقدراتها، وثانيها تأثر قراراتها بالحساسيات الإقليمية، خصوصاً موقف تركيا من بعض التنظيمات الكردية، وثالثها غياب رؤية واضحة لمستقبل إيران السياسي بعد أي تغيير محتمل.
ويضيف أن فتح جبهة كردية داخل إيران كان مطروحاً ضمن حسابات بعض الأطراف، لكن الخلافات السياسية والإقليمية حالت دون تحولها إلى جزء فعلي من استراتيجية المواجهة.
كما يرى الكاتب أن عدم التمييز بين القوى الكردية الإيرانية والعراقية تسبب في حالة من الارتباك، بعدما أثارت تصريحات أمريكية مخاوف لدى الأحزاب الكردية العراقية من أن تصبح مناطق إقليم كردستان العراق ساحة صراع مع إيران.
الحسابات التركية وتأثيرها على واشنطن
يرى الكاتب أن الموقف التركي كان أحد العوامل التي أثرت على طريقة تعامل الولايات المتحدة مع القوى الكردية الإيرانية، إذ فضلت واشنطن تجنب التعامل مع بعض الفصائل بسبب ارتباطاتها السياسية والعسكرية السابقة.
ويعتبر أوزجان أن هذا النهج دفع الولايات المتحدة إلى التركيز على تنظيمات أقل حساسية بالنسبة لأنقرة، بينما أبعد قوى أخرى أكثر خبرة عسكرياً في مواجهة طهران.
ويشير إلى أن هذه الحسابات أضعفت قدرة الجبهة الكردية على لعب دور مؤثر، ومنحت إيران فرصة للاستفادة من الانقسامات والقيود السياسية التي أحاطت بالتحرك الأمريكي.
كما يرى أن واشنطن تعاملت مع القضية الكردية غالباً من خلال علاقاتها مع تركيا والعراق وسوريا، بدلاً من بناء رؤية مستقلة تنطلق من واقع الحركات الكردية داخل إيران.
إهمال القوة الكردية الأكثر خبرة
يؤكد الكاتب أن من أبرز الأخطاء الأمريكية تهميش حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، رغم امتلاكه خبرة عسكرية طويلة في مواجهة النظام الإيراني.
وبحسب أوزجان، فإن واشنطن حاولت الاستفادة من الورقة الكردية ضد طهران، لكنها استبعدت القوة التي يعتبرها الأكثر قدرة على تنفيذ عمليات داخل إيران بسبب ارتباطات الحزب التاريخية والعقوبات المفروضة عليه.
ويرى أن هذا التناقض جعل الجبهة الكردية ضعيفة منذ البداية، إذ لا يمكن توقع قيام عمليات واسعة داخل إيران دون ضمانات أمريكية واضحة بالدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي.
كما يشير إلى أن القوى الكردية الإيرانية كانت تدرك حجم المخاطر، فمواجهة طهران بشكل مباشر دون دعم مستمر قد تتركها أمام رد قاسٍ من النظام الإيراني.
غياب الرؤية الأمريكية لمستقبل إيران
لا يرى الكاتب أن المشكلة كانت عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً، إذ يؤكد أن واشنطن لم تقدم تصوراً واضحاً لشكل إيران بعد الجمهورية الإسلامية.
ويتساءل أوزجان عن مستقبل البلاد في حال حدوث تغيير سياسي: هل ستبقى إيران دولة مركزية؟ وهل ستحصل القوميات والمكونات المختلفة على ضمانات دستورية؟ وهل تتمتع المناطق الكردية بصلاحيات أكبر أو شكل من اللامركزية؟
ويعتبر أن هذه الأسئلة أساسية بالنسبة للحركات الكردية التي لا يمكن أن تخوض مواجهة كبرى دون معرفة شكل المرحلة التالية أو ضمان حقوقها السياسية.
كما يشير إلى أن تجربة الأكراد في سوريا أثرت على حسابات القوى الكردية الإيرانية، بعدما شعرت هذه القوى بأن الولايات المتحدة قد تتراجع عن دعم شركائها عندما تتغير أولوياتها السياسية.
الاستعداد للمرحلة المقبلة
يرى الكاتب أن المقاومة الكردية ضد الجمهورية الإسلامية لن تنتهي، مشيراً إلى أن المناطق الكردية في إيران عانت لعقود من التهميش السياسي والاقتصادي والمواجهات الأمنية.
ويؤكد أن التنظيمات الكردية استطاعت الحفاظ على وجودها رغم الاعتقالات والاغتيالات والضغوط المستمرة، وهو ما يجعلها عاملاً لا يمكن تجاهله في أي مستقبل سياسي لإيران.
وبحسب المقال، فإن طهران تدرك أهمية هذا الملف وتسعى إلى منع إعادة تنظيم المعارضة الكردية عبر تعزيز وجودها الأمني والعسكري في المناطق الكردية.
ويرى أوزجان أن استمرار التوترات والاشتباكات يعكس محاولة من النظام الإيراني لاحتواء أي تحرك معارض قبل أن يتحول إلى تحدٍ أكبر.
ضرورة تغيير السياسة الأمريكية
يخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية جديدة تجاه الملف الكردي، تقوم على فهم مستقل للواقع السياسي الكردي بعيداً عن حسابات الدول المجاورة.
ويقترح تعيين مبعوث أمريكي خاص للشؤون الكردية تكون مهمته تطوير سياسة متكاملة تجاه القوى الكردية وربطها بالاستراتيجية الأمريكية الأوسع تجاه إيران.
كما يدعو إلى بناء علاقات مستمرة مع مختلف أطراف المعارضة الإيرانية، وتقديم ضمانات سياسية وأمنية واضحة للقوى المستعدة لتحمل مخاطر مواجهة النظام.
ويؤكد أن التعامل مع الأكراد كشركاء مؤقتين خلال الحروب ثم تجاوزهم في مراحل التفاوض السياسية يمثل خطأً تكرر في العراق وسوريا، وقد يتكرر في إيران.
ويختتم أوزجان بالقول إن الجبهة الكردية ليست هامشية في الصراع مع إيران، بل تمثل عنصراً أساسياً في أي استراتيجية جادة تهدف إلى ممارسة ضغط داخلي على الجمهورية الإسلامية.
منبر الرأي
منبر الرأي
منبر الرأي