بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: الجولاني.. من هامش الجهاد إلى واجهة المرحلة

في لحظات تفكك الدول، لا يتقدّم بالضرورة من يمتلك القوة الأكبر، بل من يبدو الأكثر قابلية للاستخدام.. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الصعود السريع لـ أحمد الشرع (الجولاني) بوصفه انتصارا عسكريا، ولا تحوّلًا طبيعيًا في موازين القوى، بل بوصفه ترقية سياسية لوكيل وظيفي جرى دفعه إلى الواجهة في لحظة فراغ مُدار.

فالجولاني لم يظهر فجأة، ولم يولد من رحم اللحظة. هو نتاج مسار طويل داخل البيئة السلفية الجهادية، تنقّل بين تنظيمات، وأعاد التموضع أكثر من مرة، لا بدافع مراجعة فكرية عميقة، بل بدافع القدرة على البقاء والتكيّف.

الجولاني لم يتغيّر.. الذي تغيّر هو الدور المطلوب منه

على امتداد السنوات الماضية، كان الدور المطلوب من الجولاني محصورًا: ضبط إدلب، احتواء الفصائل، ومنع الانفلات بما لا يحرج الرعاة الإقليميين والدوليين. لكن مع تفكيك الدولة السورية، وتحييد القوى التي هزمت داعش، تغيّر السقف.

لم يعد المطلوب إدارة جيب جغرافي، بل ملء فراغ. والفراغ، حين يُترك بلا مشروع دولة، يبحث تلقائيًا عمّن يستطيع ضبطه أمنيًا، لا عن من يبنيه سياسيًا.

هنا بالتحديد، بدا الجولاني مناسبًا: عقائدي بما يكفي لضبط أتباعه، وبراغماتي بما يكفي لعقد تفاهمات، وعاجز بنيويًا عن بناء دولة، حتى لا يتحول إلى لاعب مستقل.

لغة جديدة.. وبنية قديمة

لا يمكن إنكار أن خطاب الجولاني تغيّر. اللغة أصبحت أقل حدّة، والمفردات أكثر عقلانية، والرسائل الموجّهة للخارج أكثر طمأنة. لكن التحول الحقيقي لا يُقاس بالخطاب، بل بالبنية.

فالانتقال من تنظيم جهادي إلى سلطة أمر واقع لا يتم عبر تغيير اللغة، بل عبر قطيعة فكرية وتنظيمية واضحة مع الماضي، وهذا لم يحدث. ما جرى هو إعادة تغليف للمشروع، لا إعادة صياغته.

حين تُفرَّغ لوائح الإرهاب من معناها

الأخطر في صعود الجولاني ليس تمدده الميداني، بل مسار شرعنته الصامتة. لا رفعًا رسميًا لاسمه من لوائح الإرهاب، ولا إعلانًا صريحًا بتغيير التصنيف، بل ما هو أخطر: تعطيل عملي للتصنيف دون إلغائه.

تخفيف اللهجة، فتح قنوات تواصل غير مباشرة، والتعامل معه بوصفه أمرًا واقعًا، كلها مؤشرات على ازدواجية فجة في المعايير الغربية.

القوى نفسها التي تشدد في شروط نزع التصنيف عن حركات تحرر أو قوى مقاومة، تتساهل مع تنظيم خرج من رحم الجهادية السلفية، ولم يقدّم قطيعة فكرية موثقة، بل اكتفى بتعهدات أمنية آنية.

بهذا المسار، لا تُشرعن شخصية بعينها فقط، بل يُشرعن مبدأ الحكم بالقوة خارج الدولة، ويُكافأ التحول الشكلي لا الجوهري.

اتفاقات الظل: من إدلب إلى الإقليم

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما يُتداول عن تفاهمات جرت خارج الأضواء، من بينها ما وُصف باتفاق باريس، الذي جمع أطرافًا دولية وإقليمية مع الجولاني، برعاية أمريكية غير مباشرة، وبما يخدم بالدرجة الأولى أمن إسرائيل.

هذه التفاهمات لا تُقرأ بمعزل عن إعادة تعريف وظيفة الجولاني. ليس بوصفه قائد مرحلة انتقالية، بل أداة لضبط مناطق، وتصفية حسابات، وفتح مسارات ضغط باتجاه العراق، في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ.

حين يُعاد تعريف العدو

الأكثر خطورة في هذا المسار هو تفكيك مفهوم العدو. داعش لم يعد عدوًا وجوديًا، بل ملفًا قابلًا للإدارة، أو التدوير، أو الاستخدام عند الحاجة.

وحين تُحيَّد القوة التي هزمت داعش، ويُدفع إلى الواجهة من خرج من بيئته الفكرية، فإننا لا نكون أمام قطيعة مع الإرهاب، بل أمام إعادة هندسته، وتوزيع أدواره بما يخدم لحظة سياسية محددة.

الجولاني كمؤشّر.. لا كمنتصر

الجولاني في هذه اللحظة ليس منتصرًا، بل مؤشّر. مؤشّر على مرحلة يُعاد فيها تعريف السلطة لا لإعادة بناء الدولة، بل لإدارة غيابها. مرحلة يُراد لها أن تبقى بلا أفق سياسي، وبلا عقد اجتماعي، وبلا سيادة مكتملة.

التجارب من أفغانستان إلى العراق تقول إن الجماعات الجهادية، حين تُستخدم كأدوات مرحلية، لا تبقى أدوات طويلًا. سرعان ما تفرض منطقها الخاص، وتخرج عن السيطرة، وتعيد إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيدًا.

إذا كان تحييد قسد قد أزال القوة التي هزمت داعش، وكان صعود الجولاني قد وفّر واجهة قابلة للاستخدام، فالسؤال الأخير يصبح الأخطر: إلى أين تقود أفغنة سوريا؟ وهل ستبقى النار داخل حدودها، أم تُصدَّر إلى الإقليم بأكمله؟

هذا ما تحسمه الحلقة الرابعة والأخيرة.

نقلاً عن بوابة فيتو...

قد يهمك