بث تجريبي

وليد إبراهيم يكتب: ترامب يكسب الجولة

تطورٌ مهمّ حملته الساعات الأخيرة فيما يتعلق بطبيعة ما يجري في منطقتنا في الخليج العربي، والعلاقة المتأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
الأخبار من داخل إيران تتحدث عن احتمال بدء محادثات بين البلدين خلال الأيام القليلة القادمة على مستوى وزراء الخارجية، لكن حتى اللحظة لم يتم تحديد زمان ومكان انعقادها (على الأرجح ستكون في تركيا).

ما يجري قد يكون بداية لإحداث منعطف مهم في طبيعة العلاقات بين البلدين، التي لا تزال تشهد تأزمًا مقلقًا وتصاعدًا خطيرًا بينهما، والتي وصلت حد المواجهة المسلحة التي كانت تنتظر تحديد ساعة الصفر في الأيام الماضية.

هذا التطور لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تصريحات لمسؤولين كبار من البلدين في اليومين الماضيين، وبالذات ما تحدث به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل يومين، الذي قال إن بلاده «مستعدة لتبني اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، ومستعدة أيضًا للتواصل مع دول المنطقة لضمان الأمن والاستقرار، وبما يؤدي إلى رفع العقوبات المفروضة على إيران».

هذا التصريح المهم تزامن أيضًا مع تصريح آخر لا يقل أهمية عنه، عندما تحدث الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني على حسابه على منصة X عما وصفه «إطار تفاوضي» أو «هيكل جديد» للمفاوضات مع أمريكا.

لاريجاني قال إن العمل جارٍ للتهيئة للبدء بهذا الإطار التفاوضي الجديد مع الإدارة الأمريكية، التي فيما يبدو أعطت الضوء الأخضر للبدء بهكذا مفاوضات قد تساعد في إيجاد اتفاق يضمن استجابة طهران لشروط واشنطن، مع الإبقاء على خياراتها الأخرى، وفي مقدمتها الخيار العسكري.

لكن شروط واشنطن لا تقف عند موضوع الملف النووي الإيراني، بل تتعداه بكثير إلى ملفات أخرى مهمة، واحدة منها ملف الصواريخ الباليستية التي لا تزال إيران ترفض التطرق لهذا الشرط (على الأقل علانية)، إضافة إلى تحجيم دورها ونفوذها في المنطقة.

المهم في كل هذه التطورات هو دخول دول المنطقة، وخاصة الخليجية وتحديدًا السعودية، على ملف تطور العلاقة بين البلدين، ومحاولة إقناع واشنطن بالعدول عن الذهاب باتجاه الخيار العسكري. وما حدث في موضوع الإعلان عن احتمال بدء المفاوضات قد يكون نتيجة لهذا المسعى الخليجي.

هذا التطور، أو لنقل دور الوساطة هذا، لن يكون من دون ثمن. بمعنى أن السعودية، القادرة على التأثير على القرار الأمريكي بوجود الرئيس ترامب، الذي تربطه علاقة متميزة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لن تقدم على هكذا دور من دون ثمن.

والثمن في هذا واضح ولا داعي للخوض فيه، فهو يتعلق بالنفوذ الإيراني في المنطقة، والتخلص من أي سلاح يمكن أن يكون مصدر خطر على دول الطوق الإيراني، وخاصة في منطقة الخليج العربي.

مع كل هذه التطورات، هل ستقتنع واشنطن بالعودة إلى نقطة الصفر وتخفيف تواجدها العسكري الكبير الذي حشدت له بشكل كبير في الأيام الماضية، والذي لا يمكن لأي مراقب نكران حقيقة أن هذا التحشيد العسكري ساهم بشكل كبير في إرغام إيران على التراجع خطوة إلى الوراء، والقبول بإجراء مفاوضات مع «الشيطان الأكبر»، وتقديم تنازلات لتجنب مواجهة عسكرية تعرف إيران جيدًا أنها ستكون مكلفة جدًا بالنسبة لها، ليس عسكريًا فحسب، بل وسياسيًا أيضًا، وبغض النظر عما يمكن أن تتسبب به القوة العسكرية الإيرانية من أضرار ضد المصالح الأمريكية.

سياسة الضغوط القصوى الأمريكية تجاه إيران أتت أُكلها، وسياسة حافة الهاوية خيار أمريكي لا يُستهان به أبدًا.

ترامب يكسب الجولة بانتظار جولات أخرى قادمة، ومن يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا.

قد يهمك