بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: سوريا بين كسر "قسد" وإحياء "داعش" .. هندسة الفوضى المُدارة

ما يجري في شمال وشرق سوريا ليس إعادة ترتيبٍ أمني، ولا خلافًا إداريًا عابرًا، بل تفكيك متعمّد للقوة التي أغلقت طريق عودة "داعش"، وضرب لتجربة تعايش محلي كانت، بكل تناقضاتها، العائق الأخير أمام الانفلات. بين استهداف "قوات سوريا الديمقراطية"، والعبث بملف السجون والمخيمات، وصمت التحالف الدولي، تتقدّم أفغنة سوريا بخطى ثابتة… ومعها مخاطر إقليمية لا تتوقف عند الحدود.

من كسر القوة التي هزمت "داعش" إلى فتح بوابات الفوضى

ليس ما يجري في شمال وشرق سوريا مجرّد تطورٍ ميداني، ولا يمكن اختزاله في "إعادة ترتيب عسكري" أو "دمج إداري". نحن أمام لحظة مفصلية يُعاد فيها تشكيل المشهد السوري على أسسٍ أخطر من الحرب ذاتها: ضرب القوة التي أنجزت المهمة الأصعب في دحر "داعش"، وتفكيك التجربة السياسية التي حاولت – رغم نواقصها – تقديم نموذج إدارة محلية جامعة خارج القوالب الطائفية والعرقية.

إن العدوان الممنهج على "قوات سوريا الديمقراطية"، وعلى ركيزتها الأساسية "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة"، لا يستهدف تشكيلًا عسكريًا فحسب، بل يستهدف فكرة كاملة: أن تكون سوريا دولة مواطنين، لا ساحة صراع مفتوحة بين مشاريع متطرفة متنافسة.

من شريك ضد "داعش" إلى عبء يُراد تحييده

لسنوات، لم تكن "قوات سوريا الديمقراطية" فصيلًا محليًا عاديًا، بل العمود الفقري للحرب البرية على "داعش". خاضت المعارك الأصعب، وأدارت أرضًا ملغّمة أمنيًا واجتماعيًا، وتكفّلت – نيابة عن المجتمع الدولي – بأثقل الملفات: مطاردة الخلايا، حماية السجون، وإدارة مخيمات شديدة الهشاشة.

غير أن التحوّل الجاري اليوم يعيد تعريف هذا الدور بطريقة معكوسة. سياسيًا، يُطرح "الدمج" بوصفه حلًا، بينما يُمارَس عمليًا كأداة إخضاع بالقوة تُفرغ أي شراكة محتملة من مضمونها. وأمنيًا، يُعاد توصيف القوة التي أغلقت طرق عودة "داعش" باعتبارها مشكلة، لا صمّام أمان، وكأن الفراغ الناتج يمكن ضبطه بوساطات قصيرة النفس وهدنٍ هشة.

هذا الانقلاب في المقاربة لا يكتفي بإضعاف فاعل محلي، بل يراكم مخاطر مركّبة: تفكك منظومة الحراسة، ارتباك إدارة السجون والمخيمات، وتآكل الثقة بين الشركاء. وفي بيئة كهذه، لا يحتاج التطرف إلى نصر عسكري كي يعود؛ يكفيه فراغ محسوب وسوء تقدير سياسي.

تحالفات ملتبسة وإعادة تدوير الخطر

ليس الصدام القائم اليوم بين "قوات سوريا الديمقراطية" وتيارات ذات خلفيات أيديولوجية متشددة حدثًا طارئًا، لكنه يأخذ شكله الأخطر مع إعادة تدوير هذه التيارات داخل بنى عسكرية رسمية، بما يحوّل الخصومة التاريخية إلى مواجهة مفتوحة بين مشروعين متناقضين.

سياسيًا، جرى التغاضي – عن عمد – عن الخلفيات الفكرية والتنظيمية لعناصر باتت تشكّل قوامًا مؤثرًا في ما يُقدَّم بوصفه "جيشًا سوريًا موحّدًا"، تحت ذريعة توحيد السلاح واستعادة الدولة. غير أن النتيجة العملية ليست توحيدًا، بل نقل مركز ثقل الصراع من مواجهة التطرف إلى إعادة إنتاجه داخل مؤسسات يُفترض أنها جامعة.

أمنيًا، يفتح هذا التحالف الصامت الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: تفكيك القوة التي منعت عودة "داعش"، بالتوازي مع تمكين قوى لم تحسم يومًا موقفها من التطرف، أو قاتلته بوصفه خصمًا وجوديًا. وعند العودة إلى الجذور، يتضح أن الصراع أعمق من لحظة سياسية؛ إنه صراع بين تصورين لسوريا: دولة بعقد اجتماعي، وسلطة تُعاد صياغتها عبر السلاح والولاء العقائدي.

السجون والمخيمات: القنبلة المؤجَّلة

في قلب هذا المسار، يبرز ملف السجون والمخيمات بوصفه العقدة الأخطر التي يجري العبث بها تحت لافتات "الترتيبات الأمنية". هذا الملف ليس إنسانيًا فقط، بل هو أمني–استراتيجي بامتياز؛ فأي خلل فيه لا يُنتج أزمة موضعية، بل يفتح ثغرة عابرة للحدود.

لسنوات، تولّت "قوات سوريا الديمقراطية" – بدعم التحالف – إدارة أخطر إرث خلّفه "داعش": آلاف المعتقلين وعشرات الآلاف من النساء والأطفال في مخيمات مغلقة شديدة الهشاشة. لم يكن ذلك ترفًا سياسيًا، بل ضرورة دولية لمنع إعادة إنتاج التنظيم.

شهادة ميدانية: من الهول إلى روج وعين عيسى

خلال زيارات ميدانية قمتُ بها إلى مخيم الهول ومخيم روج ومخيم عين عيسى، قبل تفكيك مخيم عين عيسى عقب تعرّضه لقصف تركي مباشر عام 2019، عاينتُ عن قرب واحدة من أكثر البيئات هشاشة وتعقيدًا في المشهد السوري.

في تلك المرحلة، كانت الحراسة والإدارة بيد مؤسسات تابعة للإدارة الذاتية، غير أن القصف التركي وما تبعه من انسحاب أمني اضطراري أدّى إلى انهيار منظومة الحماية، وأسفر عن هروب عدد من نزلاء المخيم، في واقعة شكّلت إنذارًا مبكرًا بخطورة ربط مصير هذه المخيمات بالتوازنات العسكرية لا بالحلول المستدامة.

في لقاءات مع محتجزات وأطفالهن، بدا واضحًا استمرار تشدد فكري لدى قطاع واسع منهن، واستخدام مفردات تمجّد التنظيم وتقدّم الأطفال بوصفهم "أشبالًا للدولة الإسلامية". كما نقل عاملون محليون مخاوفهم من أنشطة داخلية تُقدَّم بغطاء "رياضي" أو "تربوي"، لكنها تحمل دلالات انضباطية مقلقة في بيئة مغلقة تفتقر إلى برامج إعادة تأهيل جادّة.

هذه الشهادة لا تُقدَّم كاتهام قضائي، بل كمعاينة ميدانية موثّقة لواقع شديد الحساسية: حين تُضرب منظومة الحراسة بفعل القصف أو الابتزاز العسكري، لا ينهار مخيم فقط، بل يُفتح شق أمني يعيد ضخّ التطرف في الجغرافيا السورية وما حولها.

لماذا تُستهدف الإدارة الذاتية؟

لأن الاستهداف العسكري ليس غاية بذاته، بل وسيلة لضرب فكرة التعايش التي مثّلتها الإدارة الذاتية. هذه التجربة – رغم نواقصها – قدّمت نموذج حكم محلي عابر للهويات المغلقة، وجمعت عربًا وكردًا وسريانًا وآشوريين ضمن إطار واحد.

ضرب "قوات سوريا الديمقراطية" عسكريًا يسبق، منطقيًا، تفكيك هذا المعنى السياسي. فحين تُجرَّد القوة التي تحمي التجربة، يصبح ضربها إداريًا وسياسيًا مسألة وقت. وفي المقابل، تتقدّم نماذج بديلة تقوم على الإقصاء العقائدي أو على كيانات عائلية/قوموية ترى في الإدارة المشتركة نقيضًا لمشروعها.

واشنطن وإدارة الفوضى: شراكة في تفكيك الاستقرار

ليست المشكلة في أن الولايات المتحدة غائبة عن سوريا، بل في أنها حاضرة بوصفها جزءًا من المشكلة لا وسيطًا للحل. واشنطن تعرف، بلا أي التباس، ماذا يعني استهداف "قوات سوريا الديمقراطية": تفكيك الشريك البري الأكثر فاعلية في هزيمة "داعش"، ضرب منظومة الحراسة للسجون والمخيمات، وفتح ثغرة أمنية واسعة لا يمكن رتقها بالبيانات ولا بالوساطات المؤقتة. ما يجري ليس خطأ تقدير، بل هو قبول محسوب بالمخاطر، وربما استثمار فيها.

سياسيًا، تمسك الولايات المتحدة بكل مفاتيح التأثير، لكنها تختار استخدامها لإدارة الأزمة لا حلّها، ولتعويم التناقضات لا تفكيكها. تستبدل التسوية بالتهدئة، والضمانات بالرسائل الرمادية، والالتزامات الصريحة بسياسة الانتظار. إنها مقاربة تُبقي الجميع في حالة عجز دائم، وتُجهض أي إمكانية لقيام مشروع محلي مستقر، حتى لو كان الثمن إعادة فتح الطريق أمام التطرف، لا كعدو يجب اجتثاثه، بل كفزاعة يُعاد توظيفها عند الحاجة.

أفغنة سوريا: المسار لا الإعلان

الأفغنة لا تبدأ بإعلان، بل بمسار تراكمي: تفكيك قوة ضابطة، ضرب تجربة سياسية جامعة، فتح ملفات أمنية شديدة الحساسية بلا ضمانات، ثم ترك التناقضات تتآكل من الداخل.

في هذا السياق، تتقدّم سمات الأفغنة تباعًا: تعدّد مراكز القوة، جماعات مسلحة تُدار بالوكالة، اقتصاد حرب، وتديين أو تطييف للصراع كلما دعت الحاجة إلى التعبئة. لا يحتاج التطرف إلى سيطرة جغرافية كي يعود؛ يكفيه فراغ وظيفي ومجتمع بلا أفق سياسي.

 حين تُفخَّخ سوريا… يتفخَّخ الإقليم

أفغنة سوريا لن تبقى حبيسة حدودها. ارتداداتها ستظهر سريعًا في لبنان، عبر استنزاف طويل ضد حزب الله، وفي العراق عبر إحياء مسارات العنف ضد الحشد الشعبي، ضمن صراع طائفي جاهز لإعادة الاشتعال.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سقوط تجربة بعينها، بل في المعادلة التي يجري تكريسها:

من يهزم "داعش" يُستنزف، ومن يعيد تدوير التطرف يُكافأ أو يُغضّ الطرف عنه

ما يجري اليوم اختبار حاسم:

إمّا حماية القوة التي منعت الانفلات وصون فكرة التعايش، أو ترك سوريا تنزلق إلى أفغنة كاملة بثمن لن تدفعه وحدها، بل سيدفعه الإقليم بأسره.

....... نقلاً عن موقع الميادين

قد يهمك