بث تجريبي

بدون إحراج .. سيد أبواليزيد: لا منتصر ولا مهزوم

التوصل إلى تمديد هدنة لوقف إطلاق النار بين قوات قسد وحكومة دمشق لمدة ١٥ يومًا اعتبارًا من مساء السبت الماضي، بوساطة أمريكية ودولية، يمهّد الطريق لحقن دماء المدنيين الأبرياء وبدء حوار تفاوضي ودبلوماسي بين الطرفين، وفتح ممرات إنسانية لتقديم الدعم والإغاثة للسكان، وإتاحة الوقت أمام القوات الأمريكية لإجلاء سجناء تنظيم الدولة من سجون قسد، والذي يتراوح عددهم أكثر من ٧ آلاف إرهابي يهددون المنطقة بأسرها، مما يستلزم توفير بيئة آمنة لنقلهم إلى داخل السجون العراقية من خلال اتخاذ إجراءات أمنية وعسكرية مشددة، حيث إنهم مطلوبون للعدالة هناك، بجانب التوصل لاتفاق مع عدد من الدول التي ينتمون لها لمحاكمتهم على أرضها.

من المؤكد أن الهدنة تتيح تجنب الحكومة بدمشق مواجهة قوات قسد في صراع دامٍ يترتب عليه سقوط ضحايا من الجانبين، وبما يعزز الرؤية السياسية في أنه بمثل هذه الأحداث لن يكون هناك منتصر أو مهزوم، والمسألة تتطلب المزيد من الوقت لبحث عمليات دمج القوات واقتراح الأسماء الكردية المرشحة لوزارة الدفاع السورية أو للبرلمان وغيرها من الجهات السيادية في إطار ضمان حقوق كافة مكونات الدولة السورية الجديدة.

نحن بحاجة أثناء فترة الترقب والحذر بين الطرفين لاحترام اتفاق التهدئة وعدم التصعيد لحقن الدماء وحماية المدنيين، مما يتطلب تجنب اقتتال واسع في الوقت الحالي ومنح مزيد من الوقت للمفاوضات والتحركات الدولية المتعلقة بسجناء داعش لتفادي هشاشة الاتفاقات السياسية الأوسع السابقة وطبيعة الصراع المعقد.

وتمديد الهدنة يعني أن كلا الطرفين وافقا، ولو بشكل مؤقت، على وقف القتال لفترة إضافية لتقليل الاشتباكات المباشرة، بعد موجة من التوترات والقتال في الأسابيع الماضية في شمال وشرق سوريا. هذا يمنع تصعيدًا واسع النطاق في المشهد الميداني في هذه المرحلة.

ولكن تمديد الهدنة لمدة قصيرة (15 يومًا فقط) يُظهر أيضًا أن الثقة بين الطرفين ما تزال محدودة، وأن هناك صعوبات في تنفيذ اتفاقات أوسع قبِل بها الطرفان سابقًا، مثل اتفاق دمج قوات “قسد” في الجيش السوري أو ترتيب وضع الحسكة وغيرها من المناطق.

ولا شك أن الهدنة توفر فرصة إضافية للمفاوضات بين دمشق و”قسد” حول قضايا حسّاسة تشمل مستقبل الإدارة الذاتية في المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، واندماج بعض قواتها في مؤسسات الدولة السورية، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية للمناطق المتنازع عليها، كما أن التمديد يشير إلى أن هناك رغبة، على الأقل، في استمرار الحوار وليس الدخول في مواجهة مباشرة حاسمة.

أتوقع أن الضغط السياسي والدبلوماسي قد يبني ثقة تدريجية بدلًا من المواجهة العسكرية، حيث تعمل الولايات المتحدة وفرنسا وأحيانًا تركيا على خلق مساحة للتفاوض بين دمشق وقسد حول الاندماج الأمني والسياسي، رغم التوترات والاتهامات المتبادلة بخرق الهدنة.

ومن المتصور أن أمريكا تضغط للهدنة وتدعم الحوار، لكنها لا تدفع لحسم سياسي سريع، في حين أن روسيا ترغب في إعادة ترميم الدولة السورية لتوسيع سيطرة دمشق، ولو تدريجيًا ومن دون حرب، ولتقليص الدور الأمريكي ولضمان تراجع نفوذ واشنطن، كما أن روسيا تشجع “العودة الناعمة” للدولة لتحقيق الاستقرار الأمني، نظرًا لأن روسيا تريد سوريا هادئة لتثبيت مكاسبها العسكرية، لذلك روسيا تدعم الهدنة كمرحلة انتقالية، لكنها تميل أكثر لدمشق، بينما نرصد في المشهد أن تركيا لا يزال لديها هاجس الموقف المناوئ للكرد لمنع كيان كردي مستقل، حيث تعتبر قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وأن أي اعتراف سياسي بقسد يظل خطًا أحمر لديها.

لذلك تركيا لا تعارض الهدنة مؤقتًا، لكنها ترفض تحويلها لاتفاق دائم وتراقب أي تقارب بين دمشق وقسد بحذر شديد، بينما نرصد موقف إيران حيث نجده نفوذًا بلا ضجيج، لذلك إيران ليست في الواجهة لكنها تستفيد من أي استقرار يعزز حضورها.

وتستهدف الولايات المتحدة الأمريكية إدارة الصراع لا حسمه، كما أن منع عودة داعش يعد أولوية مطلقة لواشنطن، حيث إن أي اقتتال بين دمشق و”قسد” يفتح فراغًا أمنيًا.

ربما يرى المراقبون أن الحكومة بدمشق تتطلب من قسد إعطاءها دولة واحدة وجيشًا واحدًا وقرارًا سياديًا واحدًا، بحيث تتحدث عن حقوق محلية واسعة، في حين نجد أن قسد تخشى فقدان مكاسبها العسكرية وأن يتم تركها وإهمالها دون حماية دولية. لذلك نجد أن المأزق الحقيقي يكمن في الثقة المفقودة، وليست الاتفاقيات ونصوصها فقط.

قد يهمك