يعيد داعش (الدولة الإسلامية فى العراق والشام) تنظيم صفوفه حالياً فى سوريا والعراق من خلال استغلال الفراغ الأمنى الناتج عن الاشتباكات السياسية والعسكرية فى شمال شرق سوريا، بين الجيش السورى والمجموعات الموالية له مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والتى أدت إلى انسحاب الأخيرة من بعض المناطق التى تضم سجون ومخيمات لمعتقلى داعش وأسرهم وهروب بعضهم، وأشارت تقارير متعددة إلى زيادة نشاط التنظيم، مع التركيز على إعادة تجنيد المقاتلين وشن هجمات انتحارية.
فمنذ عام 2014 وقوات قسد المدعومة من التحالف الدولى تخوض معارك ضارية ضد داعش، وحققت انتصارات ضخمة عليه ونجحت فى تحرير مناطق عديدة من سيطرته، واحتجزت نحو عشرة آلاف من مقاتلى داعش فى سجون مثل سجن الشدادى فى محافظة الحسكة، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم فى معسكرات ومخيمات مثل الهول، الذى يقع فى ضواحى مدينة الهول جنوب شرق محافظة الحسكة، قرب الحدود السورية-العراقية، وبدأت قسد فى استخدامه لإيواء الهاربين من مناطق نفوذ داعش عام 2017، ثم تحول بشكل جذرى بعد سقوط آخر معاقل داعش فى مارس 2019 إلى مكان احتجاز لعائلات وأفراد مرتبطين بالتنظيم، ويضم حاليا نحو 24 ألف شخص منهم نحو سبعة آلاف أجنبى من 42 جنسية (أوروبيون، آسيويون، أفارقة، وغيرهم)، ونحو ألفى عراقي، والباقى من السوريين، ويواجه مشكلة عدم موافقة الدول التى ينتمى إليها هؤلاء على عودتهم باعتبارهم عناصر أمنية خطرة، إلى جانب آلاف الأطفال الذين ولدوا فى المخيم من زيجات مختلطة ولا يحملون أى جنسية، وأخطرهم المراهقون (13 ـ 15 عاما) الذين يعتنقون أفكارا جهادية متطرفة نتيجة نشأتهم فى هذه البيئة.
وهذا المخيم يمثل تحدياً مشتركاً أمنياً وإنسانياً، ومصيره مرتبط بالتفاهمات بين الحكومة السورية، قسد، التحالف الدولي، والدول التى تنتمى إليها العائلات المحتجزة، والوضع لا يزال خطرا وغير مستقر تماما، ويسعى التحالف الدولى إلى نقل معظم سجناء داعش وخاصة العراقيين إلى العراق لاحتجازهم هناك فى سجون مؤمنة، وتدخل الأمم المتحدة جزئياً لإدارة الجانب الإنسانى ، ويمكن لخلايا داعش النائمة أن تستغل هذا الوضع لتنظيم محاولات هروب جماعى أو هجمات، كما حدث سابقاً فى عام 2022 ، مما يزيد من خطر إعادة تنظيم التنظيم، خاصة مع وجود آلاف المحتجزين الذين يمكن أن ينضموا إلى صفوفه إذا نجحوا فى الفرار، مما يهدد الأمن فى سوريا والعراق والمنطقة بأكملها.
ولا يقتصر الخطر على هذا المخيم فقط، وإنما هناك سجون أخرى فى نفس المناطق، تحوى أيضا آلافا من عناصر داعش، مثل سجن الصناعة أو سجن الحسكة المركزي، وهو أحد أبرز وأكبر السجون فى شمال شرق سوريا، والذى شهد هجوماً واسعاً من جانب داعش عام 2022 لتحرير السجناء، باستخدام سيارات مفخخة وعصيان داخلي، واستمرت المعارك أكثر من أسبوع، قُتل فيها نحو346 من مقاتلى داعش، و154من قوات قسد، بالإضافة إلى مدنيين، وهرب مئات السجناء مؤقتاً، لكن قسد استعادت السيطرة الكاملة بعد أيام.
ويزيد من مخاوف عودة داعش بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على تلك السجون، وجود عناصر متطرفة داخل التنظيمات التى تشكل الجيش السورى والأمن بعد استيلاء هيئة تحرير الشام على السلطة فى ديسمبر 2024، وهذه العناصر غالباً ما تكون مرتبطة بخلفيات إرهابية سابقة، ودمج عناصر أجنبية متطرفة (مثل الإيغور والشيشانيين) الذين انخرطوا سابقاً فى تنظيمات مثل القاعدة، مما يثير مخاوف أمنية واستخباراتية، خاصة بعد حادث هجوم تدمر فى ديسمبر 2025، حيث كان المنفذ عنصراً فى جهاز الأمن العام يحمل أفكاراً تكفيرية متطرفة، مما أدى إلى توقيف 11 عنصراً آخرين، وهذا يشير إلى عدم التدقيق الكافى فى خلفيات العناصر التى يتم ضمها للأجهزة الأمنية، وهو ما يتطلب تنسيقاً دولياً لضمان إعادة بناء مؤسسات أمنية محايدة.
إن تنظيم داعش يعتمد على خلاياه النائمة فى المناطق الريفية والحدودية بين سوريا والعراق، مثل منطقة البوكمال ودير الزور، حيث يستغل الفراغ الأمنى لإعادة تجنيد المقاتلين السابقين والشباب المحبطين من الوضع السياسى الجديد، وتشير تقارير إلى أن التنظيم يعيد تنشيط ممرات التهريب والطرق الريفية لنقل الأسلحة والمقاتلين، مشابه لما حدث خلال الفترة -2011 2014 ، وشهد التنظيم فى العراق زيادة فى الهجمات خلال الفترة الماضية، ويُتوقع تصعيداً فى 2026 بسبب تأثيرات الأوضاع فى سوريا، مع التركيز على هجمات سريعة ومنخفضة التكلفة، مثل التفجيرات والاغتيالات، لإثبات وجوده وجذب المزيد من المقاتلين.
نحن أمام احتمالات مختلفة الآن، فقد يؤدى هروب مزيد من السجناء وتنشيط الخلايا النائمة فى مناطق مثل دير الزور والرقة إلى هجمات متفرقة فى سوريا مع مد نشاطه إلى العراق، وإذا فشلت الحكومة السورية الانتقالية فى ملء الفراغ بسرعة، فإن داعش قد يصبح أكثر خطراً كتنظيم غير مركزى يركز على الهجمات الإرهابية بدلاً من السيطرة الإقليمية، وقد يفقد داعش قاعدته الرئيسية فى سوريا والعراق إذا نجحت عملية مواجهته، لكنه يتحول إلى تهديد عالمى من خلال فروعه فى إفريقيا أو آسيا، مع نقل التركيز إلى التجنيد عبر الإنترنت والعمليات فى دول أخري.
وفى جميع الأحوال، لا بديل لمواجهة خطر داعش عن استمرار الاستعانة بقوات قسد بالتنسيق مع التحالف الدولى والقوات العسكرية والأمنية السورية والعراقية، لإدارة الفراغ الأمنى فى شمال شرق سوريا، والتركيز على التعاون الأمنى والحلول السياسية للنزاعات الداخلية للحد من عودته.
نقلا عن موقع جريدة الأهرام