في العاصمة المصرية القاهرة، عقد مركز آتون للدراسات، مساء الأحد الموافق 1 فبراير 2026، ندوة فكرية بعنوان “تداعيات المشهد السوري”، والتي تأتي في توقيت بلا شك بالغ الأهمية من عمر الدولة السورية والأزمة القائمة في هذه البلد الشرق أوسطي المهم منذ قرابة عقد ونصف، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والإعلاميين والدبلوماسيين والباحثين المهتمين بالشأن السوري.
أدار الندوة الأستاذ الدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، فيما ضمت المنصة الرئيسية للمتحدثين الكاتب الصحفي إلهامي المليجي، والكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد، والسفير يوسف زاده، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حيث ناقشوا التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها الملف السوري، خاصة التصعيد الأخير في شمال وشرق البلاد، وانعكاساته على الداخل والإقليم.
نقاش في توقيت حساس
وفي تقديمه للندوة، تحدث الدكتور محمد رفعت الإمام عن أهمية هذا النقاش الذي يأتي في توقيت حساس، لا سيما في ظل ما تمثله سوريا من أهمية كبيرة على صعيد الأمن القومي العربي بصفة عامة، والأمن القومي المصري بصفة خاصة، مشيراً في هذا السياق إلى أن القاهرة تعاطت بشكل متوازن مع الأزمة السورية، مؤكدة تمسكها بحتمية خروج كافة الميليشيات من سوريا، ووضع طموحات جميع أطياف المجتمع السوري في مقدمة الأولويات.
وأشار كذلك في طيات حديثه إلى أن هناك إشكالية متكررة تتمثل في توصيف كرد سوريا باعتبارهم مهاجرين عند كل أزمة، مؤكداً أن مناطق روج آفا جزء أصيل من الجغرافيا السورية في التاريخ الحديث، وأن جبل الكرد كان موجوداً قبل تأسيس الدولة السورية. ولفت إلى أن هناك موجات هجرة بلا شك، لكنها جاءت عقب فشل ثورة الشيخ سعيد في تركيا، ونتيجة المذابح التي ارتكبت بحق الكرد داخل الأراضي التركية.
الموقف المصري
أول المتحدثين في الندوة كان السفير يوسف زاده مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، والذي أكد على خطورة ما تشهده سوريا في الفترة الأخيرة مع الصدام بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، حسب تعبيره، على نحو ركز عليه النقاش في الندوة، متحدثاً في هذا السياق عن موقف مصر تجاه المشهد السوري.
ولفت إلى أن وزارة الخارجية المصرية كانت أصدرت بياناً يرحب بالاتفاق الشامل الذي تم التوصل إليه، وما تضمنه من تفاهمات حول بدء عملية دمج متسلسلة، حيث أعربت القاهرة عن أملها أن يكون الاتفاق بداية لإطلاق عملية سياسية شاملة تضم كافة المكونات السورية دون إقصاء، وعلى نحو يسهم في دعم وحدة الدولة السورية.
ونوه هنا إلى القناعة بأن الكرد جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، بما لديهم من دور تاريخي عظيم في بناء هذه الدولة. واختتم الدبلوماسي المصري السابق حديثه بالإشارة إلى أن النظام السوري الحالي قد يكون ربح جولة في مواجهة قوات “قسد”، وفقاً له، إلا أن هذا الربح لا يضمن له الاستقرار على المدى البعيد.
اتفاق 30 يناير
أما الكاتب الصحفي إلهامي المليجي، فتناول الاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية، أو ما يعرف باتفاق 30 يناير، لكنه أكد في البداية أن المشهد السوري من أكثر المشاهد تعقيداً، لكونه صراع مشاريع متعددة، وليس صراع دول فقط. وفي هذا السياق، اعتبر أن اتفاق 30 يناير لا يزال نصاً غير مطبق، وأن كل طرف يقرأه من زاويته الخاصة، محذراً من تحول التوافق النظري إلى خلافات عملية عند التنفيذ.
واستعرض المليجي عدداً من الملاحظات بشأن الاتفاق، حيث أشار إلى أنه لم يتعامل مع “قسد” كقوة يجب تفكيكها، بل كقوة يعاد هيكلتها داخل مؤسسات الدولة السورية، وهو تطور مقارنة بخطابات الإقصاء السابقة. كما تحدث عن الترتيبات العسكرية التي تشمل ثلاثة ألوية لقوات سوريا الديمقراطية في الحسكة والقامشلي، ولواءً خاصاً بكوباني، معتبراً ذلك اعترافاً ضمنياً بالخصوصية الجغرافية والعسكرية لتلك المناطق.
وفيما يخص الملف الأمني، اعتبر أن الحسكة والقامشلي نموذجاً تجريبياً لدمج القوى الأمنية، متسائلاً عما إذا كان الدمج سيكون شكلياً أم فعلياً، ومن يمتلك القرار النهائي. كما رأى أن الاتفاق يعترف بواقع الإدارة الذاتية ويحاول استيعابه.
وأعرب المليجي عن خشيته أن تكون تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا خاسرة بهذا الاتفاق، الذي قد يسعى إلى تحويلها إلى كيان متخندق حول مكون معين، أو المكون الكردي فقط، وهي التي كانت نموذجاً للتعدد والتنوع، وتجربة ديمقراطية من شأنها إخماد الصراعات الداخلية، على عكس تجربة العراق التي عمقت الانقسامات، محذراً من إعادة إنتاج النموذج الطائفي في سوريا.
واعتبر الكاتب الصحفي إلهامي المليجي أن بند الحقوق السياسية والمدنية في الاتفاق بالغ الحساسية، ويحتاج إلى تقنين دستوري وقانوني يضمن استمراريته. وخلص إلى أن الاتفاق لا ينهي الصراع، بل يعلقه، ولا يحسم شكل الدولة، لكنه يفتح باب التفاوض الجدي حولها، ويختبر النوايا ويراهن على الوقت.
هل يصمد الاتفاق؟
بدوره، أعرب الكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد عن اعتقاده بأن الاتفاق لن يستمر، بسبب ما وصفه بغياب الإرادة السياسية لدى الجولاني (الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع)، وارتهانه للقرار التركي. واعتبر أن الحكومة الحالية تتصرف كـ”عصابة”، وأن عدداً من أعضائها مطلوبون دولياً، في ظل دعم أمريكي يهدف، بحسب رأيه، إلى السيطرة على مقدرات سوريا.
وأشار إلى سيطرة تركيا على الشمال، وسعيها للوصول إلى مصادر الطاقة. كما اعتبر أن ما يسمى بالجيش السوري يتكون من فصائل متطرفة، مستشهداً بحالات القتل والانتهاكات بحق العلويين في الساحل والدروز في السويداء، وما طال الكرد في الأسابيع الماضية مؤخراً بحيي الشيخ مقصود والأشرفية. ولفت إلى أن الشعب السوري يعاني عدم الاستقرار وانتشار الفوضى والانفلات الأمني، واستمرار عمليات القتل بشكل يومي، وعمليات الإبادة الجماعية التي تتعرض لها الكثير من المناطق السورية سواء العلويين أو الدروز وصولاً إلى الكرد.
وأكد أن إدلب، التي يرى الشرع أنها النموذج الذي يسعى إلى تعميمه على سوريا ككل، لم تكن نموذجاً ناجحاً كما يروج لها، بل نموذجاً للإقصاء والسجون والقتل، داعياً الشرع أو الجولاني، إن كان صادقاً، إلى إعلان دستور توافقي يحفظ حقوق جميع المكونات. كما حذر من إمكانية تصدير النموذج السوري الحالي إلى دول أخرى مثل ليبيا.
ولفت الكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد كذلك إلى غياب برلمان حقيقي في سوريا، وغياب المعارضة والقوى الناعمة والمجتمع المدني، في ظل أوضاع معيشية صعبة بالمناطق التي دخلتها القوات التابعة لحكومة دمشق. وأكد في هذا السياق أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على القوى المدنية، رغم صعوبة إعادة صياغة المجتمع وإنتاج قوى مدنية في ظل حالة الكراهية والانقسام.
مداخلات الحضور
وشهدت الندوة مداخلات من عدد من الحضور، من بينهم الكاتب الصحفي شريف عبد الحميد، الذي وصف الجولاني “الشرع” بـ”المرتزق العقائدي”. وكذلك السياسي السوري صبري يوسف، الذي تحدث عن مخططات دولية لإضعاف “قسد”، في إطار تنفيذ مخطط “لبننة سوريا”. والباحثة والناشطة السورية نوجين يوسف، التي رأت أن الوضع في سوريا يشكل مختبراً لما سيكون عليه الوضع في الشرق الأوسط.
كما تطرق بعض المشاركين إلى الموقف المصري مما يجري في سوريا، حيث أكدوا أنه يظل واضحاً وثابتاً في دعم وحدة الدولة السورية، والحفاظ على سيادتها وأراضيها، والدفع نحو عملية سياسية شاملة تضمن حقوق جميع المكونات دون إقصاء.