بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: سوريا بين الدمج والغلبة: اختبار الدولة أم شرعنة سلطة الأمر الواقع؟

لم يكن الإعلان عن الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة دمشق خطوةً أمنيةً عابرة، بل لحظةً سياسيةً كاشفة أعادت طرح سؤال الدولة السورية من جذوره. فالقضية لم تعد مسألة سيطرة جغرافية، بل مسألة معنى: هل تُستعاد الدولة بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً، أم تُعاد صياغتها كجهاز ضبط يُدار بمنطق الغلبة، مهما تغيّرت اللغة وتبدّلت العناوين؟

الاتفاق، بصيغته المعلنة، لا يقدّم تسوية سياسية، ولا يفتح أفقاً واضحاً لمرحلة ما بعد الحرب، ولا يعالج جذور الأزمة السورية. لكنه يفرض مواجهة مباشرة مع معضلة مؤجّلة منذ سنوات: هل يمكن الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق الدمج السياسي، أم أننا أمام إعادة ترتيب للصراع بأدوات أقلّ صخباً وأكثر براغماتية؟

لغة رمادية لإدارة الأزمة

لغة الاتفاق ليست تفصيلاً تقنياً، بل مدخلاً لفهم طبيعته. فهي لغة رمادية بامتياز: وقف لإطلاق النار من دون إطار سياسي جامع، انسحابات من دون تحديد واضح لمصدر القرار، دمج متدرّج بلا ضمانات، ووعود عامّة بحقوق مدنيّة وثقافيّة بلا سقف دستوري أو آليات ملزمة. هذه ليست لغة حلّ، بل لغة إدارة أزمة، تؤجّل الانفجار ولا تعالجه.

الأخطر أنّ هذه اللغة تتعمّد تفادي الأسئلة الحاسمة: من يملك القرار النهائي؟ من يدير الموارد؟ ما حدود اللامركزية؟ وماذا يحدث حين يتقدّم الأمن على السياسة؟ هذه الأسئلة لا تختفي بالتأجيل، بل تتحوّل إلى قنابل موقوتة ستنفجر عند أول اختبار فعلي.

منطقة وسطى بلا ضمانات

عملياً، يقيم الاتفاق منطقة رمادية بين الدولة والأمر الواقع. دمشق تعود – بمؤسساتها الرسمية – إلى مناطق خرجت عن سيطرتها لسنوات، لكن من دون حسم عسكري. في المقابل، تتراجع قوات سوريا الديمقراطية عن نموذج الإدارة المستقلة، من دون حلّ أو إقصاء فوري. هذا التوازن لا يعكس شراكة سياسية بقدر ما يعكس هدنة مشروطة، قابلة للانهيار مع أيّ خلل في إدارة التفاصيل اليومية.

هنا، لا تُقاس الأمور بالبيانات ولا بالنيّات، بل بكيفيّة ممارسة السلطة على الأرض: أول حاجز، أول قرار إداري، أول احتكاك أمني. في هذه التفاصيل يتحدّد مصير الاتفاق، لا في النصوص المعلنة.

الدمج أم الإخضاع المؤجّل؟

الرهان المعلن هو الدمج، لكنّ التجربة السورية تجعل الشكّ مشروعاً: هل المقصود دمج سياسي حقيقي، أم إذابة قسرية مؤجّلة؟ هل نحن أمام محاولة لاستيعاب واقع جديد فرضته الحرب، أم أمام إعادة إنتاج مركزية صلبة بوسائل ناعمة؟

السيناريو الإيجابي يفترض تقديم السياسة على الأمن، وإدارة المؤسسات بوصفها أدوات خدمة لا أدوات إخضاع، وفتح مسار تراكمي لمعالجة الحقوق بوصفها جزءاً من إعادة تعريف الدولة. غير أنّ هذا السيناريو يصطدم بواقع دولة أُعيد بناؤها خلال الحرب على منطق أمني صرف، وأجهزة اعتادت إدارة المجتمع لا التفاوض معه.

تعثّر مُدار بلا حلّ

الاحتمال الأرجح هو بقاء الاتفاق في حالة تعثّر محسوب: لا انهيار كاملاً، ولا استقرار فعلياً. تتقدّم الملفات الأقلّ حساسية، خصوصاً الإدارية، بينما تُجمَّد الملفات الثقيلة، وعلى رأسها القرار الأمني وإدارة الموارد. تتآكل الثقة تدريجياً، فيما تتحرّك الأطراف الإقليمية والدولية لمنع الانفجار، لا لبناء تسوية.

في هذا السياق، تتعامل أنقرة مع الاتفاق بوصفه أداة مؤقتة لضبط الحدود، وتتعاطى واشنطن معه كترتيب أمني منخفض الكلفة، فيما ترى موسكو في التعثّر فرصة لتعزيز خطاب الدولة المركزية، من دون معالجة جوهر الأزمة.

اختبار السلطة قبل اختبار الدولة

لكن ما يتجاوز كلّ ما سبق هو أنّ الاتفاق لا يختبر الدولة السورية وحدها، بل يختبر أيضاً طبيعة السلطة التي تسعى إلى تثبيت نفسها بوصفها أمراً واقعاً جديداً. سلطة لم تتشكّل عبر عقد اجتماعي أو تجربة حكم مدنيّة، بل خرجت من رحم الحرب، وتشكّل وعيها السياسي في بيئات صراعيّة مغلقة، حكمتها ثنائيات الطاعة والاصطفاف، لا منطق التعدّد والتمثيل. إرثٌ إقصائي لم يُفكَّك بعد، مهما تغيّرت اللغة أو جرى تلميع الخطاب، ويظهر سريعاً عند أول اختبار فعلي للسلطة: في الأمن، وفي الإدارة، وفي كيفيّة التعامل مع المجتمع.

هنا، لا يكمن الخطر الحقيقي في قوات سوريا الديمقراطية، ولا في التعدّد السوري ذاته، بل في عقليّة ترى في الدمج خطوة تكتيكية، وفي الحقوق ملفاً مؤقتاً، وفي الدولة غنيمة يجب إحكام السيطرة عليها لا إطاراً وطنياً جامعاً. فإذا أُدير الاتفاق بعقل أمني يتعامل مع السياسة بوصفها تهديداً، ومع التنوّع كخطر، ومع الشراكة كضعف، فلن يكون سوى محطة انتقالية لإعادة إنتاج سلطة أمر واقع تُمسك الدولة بعقل الجماعة لا بعقل الدولة، مهما رفعت من شعارات الدمج والانتقال.

مفترق حاسم

بهذا المعنى، يصبح الاتفاق اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة دمشق – بوصفها مركز الدولة السورية ومؤسساتها السيادية لا مجرّد سلطة حاكمة – على كسر منطق الدولة الأمنية، واختباراً لسلطة أمر واقع مطالَبة بأن تثبت قدرتها على التصرّف بعقل الدولة لا بعقل الجماعة المنتصرة. إما أن يفتح الاتفاق مساراً لإعادة تعريف الدولة بوصفها عقداً سياسياً يحتمل التعدّد ويقيّد الأمن بالسياسة، أو أن يتحوّل إلى هدنة أخرى في مسار إعادة تدوير الأزمة السورية.

اللحظة لا تحتمل الغموض. فإما دولة تُدار بالعقل السياسي، أو سلطة تُعاد صياغتها بالهاجس الأمني. وما بين الخيارين، لا يقف مصير هذا الاتفاق وحده، بل يقف مستقبل سوريا نفسها.

.. نقلاً عن موقع الميادين 

قد يهمك