بث تجريبي

القيادي الكردي جميل بايك: الهجمات على شمال سوريا محاولة لكسر الإرادة الكردية وضرب المجتمع الديمقراطي

صرّح الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايك، بأنّ الهجمات التي تتعرض لها (روج آفا) وشمال وشرق سوريا لا يمكن حصرها في إطارها العسكري فقط، بل تمثّل جزءاً من مسار شامل ومتعدّد المستويات يستهدف القضاء على المجتمع الديمقراطي وكسر الإرادة الكردية.

وأشار بايك إلى أنّ هذه الهجمات تأتي في سياق الحرب الدولية والإقليمية الدائرة حالياً، مؤكداً أنّ شمال سوريا باتت هدفاً مباشراً لأنّ ثورتها، بجميع أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية، تشكّل عائقاً أمام مشاريع التقاسم الجديدة الجارية في الشرق الأوسط، ولفت إلى أنّ الاعتداءات على روج آفا تحمل أبعاداً دولية وإقليمية متشابكة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بسياسات القوى الدولية القائمة على نموذج الدولة المركزية.

وأوضح بايك أنّ القوى الدولية لا تعتمد سياسة موحّدة تجاه الكرد، لكون مقاربتها السياسية تقوم على التعامل مع الدول لا مع الشعوب، مبيناً أنّ تركيا وهيئة تحرير الشام وعدداً من الأطراف الإقليمية الأخرى تلتقي عند هذه النقطة، حيث يجري توظيفها ضمن مسار يهدف بالأساس إلى كسر الإرادة الكردية.

وأكد بايك أنّ الاستهداف الذي تتعرض له شمال سوريا لا يقتصر على الجانبين العسكري والسياسي فحسب، بل يحمل في الوقت ذاته بُعداً أيديولوجياً واضحاً، موضحاً أنّ أحد المحاور الرئيسية للهجوم يتمثل في استهداف المجتمع الديمقراطي ذاته، ونوّه إلى أنّ النموذج القائم في شمال وشرق سوريا يستند إلى مفهوم المجتمع الديمقراطي البيئي وتحرر المرأة، وهو ما يجعل هذه الهجمات في جوهرها هجوماً مباشراً على هذا النموذج، مشيراً إلى أنّ تجربة الإدارة الذاتية، بما تحمله من دلالات لمستقبل الشرق الأوسط، أصبحت الهدف الرئيسي لهذه الاعتداءات.

وجاء في القسم الأول من المقابلة الخاصة التي أجراها جميل بايك مع وكالة فرات للأنباء (ANF) ما يلي:

تساءل بايك عمّا إذا كانت ثورة روج آفا قد أصبحت هدفاً للهجمات بسبب وصول حرب التقسيم الجديدة إلى طريق مسدود من مختلف الأطراف، وعن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وما إذا كانت هناك محاولات لفرض التهميش على الكرد الذين باتوا فاعلين في القرن الجديد، وإمكانية تنفيذ مثل هذه السياسات، إضافة إلى الرسائل الموجهة للقوى الكردية والشعوب، وموقف القائد آبو من هذه التطورات.

وأوضح أنّ من أبرز العوامل التي تزيد من تعقيد حل القضية الكردية هو تقسيمها بين أربع دول في الشرق الأوسط هي تركيا وإيران وسوريا والعراق، حيث يُعدّ الكرد ثاني أكبر مجموعة عرقية في هذه الدول. وفي إيران، رغم وجود الأذريين، فإنّ التركيز على الهوية المذهبية الشيعية يجعل البعد العرقي أقل بروزاً. وبيّن أنّ هذه الدول تشكّلت في القرن العشرين على أساس مفهوم الدولة القومية، وكانت أشد السياسات قسوة تجاه الوجود الكردي في تركيا، في حين انتهجت الدول الثلاث الأخرى سياسات سيادية مشابهة ضد الكرد.

وأشار بايك إلى أنّ الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط في موازين القوى العالمية دفعت القوى الدولية إلى إعطاء الأولوية للدول في سياساتها، وهو ما شكّل عقبة كبرى أمام نضال الشعب الكردي من أجل الحرية، وأضاف أنّه رغم التناقضات بين هذه الدول في ملفات عدة، فإنها قادرة على التوافق عندما يتعلق الأمر بالكرد، وهو ما يوضح حجم التحديات التي تواجه الحركة التحررية الكردية، ويستلزم خوض نضال قوي وحازم، إلى جانب اتباع سياسات دقيقة تتسم بالمرونة وسرعة البديهة.

وأكد أنّ القضية الكردية تختلف عن غيرها من القضايا في العالم، فعدم حلها لا يعود إلى طبيعة المطالب، بل إلى سياسات ممنهجة تهدف إلى طمس الوجود الكردي ضمن إطار الدولة القومية، محذراً من إسقاط تجارب أخرى على الحالة الكردية لما في ذلك من تضليل يؤدي إلى سياسات خاطئة.

وتناول بايك الأبعاد الدولية والإقليمية للهجمات على روج آفا، مشيراً إلى أنّ القوى الدولية خلصت إلى أنّ استمرار علاقاتها التكتيكية مع روج آفا، التي تعاونت معها في محاربة داعش، لم يعد يخدم مصالحها، وفضّلت بدلاً من ذلك تعزيز علاقاتها مع تركيا وبعض الدول العربية، وأوضح أنّ هذه القوى أخذت مصالح إسرائيل بعين الاعتبار، وتغاضت عن هجمات هيئة تحرير الشام في إطار سياسة توازنات جديدة في الشرق الأوسط تقوم على التعاون مع هذه الأطراف، مؤكداً أنّ اعتمادها على الدول كأساس لسياستها جعلها تفتقر إلى موقف متماسك تجاه الكرد.

وبيّن أنّ الجمهورية التركية وهيئة تحرير الشام ظلّتا تخططان لشن هذه الهجمات، وقد نُفذت في سياق تفاهمات شملت ترك جنوب سوريا لإسرائيل، وأكد أنّ الكرد باتوا قوة قادرة على التأثير في العديد من قضايا الشرق الأوسط، نتيجة نضالهم الممتد لعقود في أجزاء كردستان الأربعة، ما جعلهم فاعلاً مؤثراً في سياسات تركيا وإيران والعراق وسوريا.

وأضاف أنّ حركة التحرر الكردستانية تجاوزت سياسة “فرّق تسد” وتبنت نهج الأخوّة بين الشعوب، وهو ما يتعارض مع مصالح قوى إقليمية ودولية كانت ترى في الكرد أداة لعدم الاستقرار من أجل إحكام السيطرة على دول المنطقة، ورغم تعثر هذه السياسة في بعض مراحل القرن العشرين، فإنها لا تزال حاضرة، إلا أنّ تنامي الدور الكردي جعل استمرارها أمراً أكثر صعوبة.

وأشار بايك إلى أنّ استمرار نضال الكرد، وتخلي القوى السياسية الكردية عن سياسات الإقصاء والهيمنة المتبادلة، من شأنه أن يضع حداً لهذه السياسات، ويفتح الطريق أمام حياة حرة وديمقراطية للكرد في جميع البلدان التي يتواجدون فيها، واعتبر أنّ مشروع الحل الديمقراطي الذي طرحه القائد آبو، والقائم على مفهوم الأمة الديمقراطية، يشكّل بديلاً حقيقياً لسياسات الإقصاء الدولية والإقليمية، مؤكداً أنّ المقاربات القومية الضيقة لا تؤدي إلا إلى تعميق مخاطر الإبادة الجماعية.

وشدّد على أنّ وحدة الأمة الديمقراطية ستمنح زخماً لنضال الشعب الكردي في جميع الأجزاء، ما يساهم في حل قضية الحرية والوجود الكردي في الدول الأربع. وختم بالقول إنّ رؤية القائد آبو لا تقتصر على تقديم استراتيجية للكرد فحسب، بل تهدف أيضاً إلى ترسيخ الديمقراطية في عموم الشرق الأوسط، معتبراً أنّ التقاء الحاجة الإقليمية للديمقراطية مع الرؤية الكردية قد يفتح عصراً جديداً ليس للكرد وحدهم، بل لشعوب المنطقة كافة، وأنّ انتفاضة الشعب الكردي في مواجهة الاعتداءات على روج آفا، وصداها العالمي، برهنت مجدداً على قوة هذا الشعب في سعيه نحو الحرية.

قد يهمك