بث تجريبي

أحمد عطا يكتب: جحيم الوعي

ليس الوعي ذلك الضوء الخالص الذي يبدّد العتمة كما نحب أن نتصوره، بل هو في كثير من الأحيان نارٌ باردة، تحرق ببطء ولا تُميت الألم. فأن تدرك أكثر لا يعني بالضرورة أن تطمئن أكثر؛ بل قد يعني أن ترى هشاشة العالم، وتناقض البشر، وضعف الذات بوضوح لا يترك لك رفاهية التجاهل.

السقوط من البراءة
كلحظة استيقاظ حادة، يبدأ الوعي غالبًا، كأن الإنسان يُنتزع فجأة من بساطة كان يعيشها دون أن يدرك قيمتها. ما كان عاديًا يصبح موضع سؤال، وما كان مألوفًا يتحول إلى شك. في هذه اللحظة، لا يخسر الإنسان جهله فقط، بل يخسر راحته الأولى. الوعي لا يضيف معرفة فحسب، بل يسحب الطمأنينة التي كانت تقوم على عدم السؤال.

غربة الفهم
مع اتساع الإدراك، يشعر الإنسان أنه يعيش بين الآخرين جسديًا فقط. يفهم أكثر مما يُقال، ويقرأ ما بين السطور، ويرى تناقضات البشر وهم يصرّون على إنكارها. هنا تتشكل الغربة الحقيقية: غربة من يفهم عالمه أكثر مما يحتمل هذا العالم. ليست عزلة اختيارية، بل مسافة يفرضها الوعي بينه وبين من يكتفون بالسطح.

عبء المعرفة
المعرفة لا تأتي وحدها؛ تأتي محمّلة بالقلق. كل إجابة تولّد سؤالًا، وكل حقيقة تفتح بابًا لأخرى أكثر إيلامًا. الواعي لا يستطيع إغلاق عينيه، ولا يملك رفاهية التصديق السهل. لذلك يصبح العقل ساحة صراع دائم، ويغدو التفكير فعلًا مرهقًا لا يهدأ حتى في لحظات النعيم.

مواجهة الذات
أقسى ما في الوعي أنه لا يكتفي بكشف العالم، بل يعرّي النفس. يضع الإنسان أمام أخطائه، وتحامله، وخوفه، وأنانيته. لا يعود الهروب ممكنًا، ولا الأعذار مقنعة. هنا يتحول الوعي إلى مرآة قاسية، لا ترحم، وتجبر صاحبها على الاعتراف بما كان يتجاهله طويلًا.

الوعي كمرض
حين يبلغ الإدراك حدّه الأقصى، قد يتحول من نعمة إلى إنهاك. الإفراط في التحليل، والتدقيق في التفاصيل الصغيرة، واستنزاف العقل في كل موقف، يجعل الوعي أقرب إلى مرض بطيء. لا لأن التفكير خطأ، بل لأن الحياة لا تُحتمل إذا فُكِّكت إلى ما لا نهاية.

الجهل كحنين
من هنا يولد الحنين إلى الجهل، لا بوصفه قيمة، بل كملاذ نفسي. الجهل يبدو كبيت قديم دافئ رغم هشاشته، بينما الوعي منفى بارد لا عودة منه. هذا الحنين ليس دعوة للتخلي عن العقل، بل اعتراف بأن المعرفة لها ثمن، وأن هذا الثمن فادح أحيانًا.

الوجه الآخر للجحيم
ومع ذلك، لا يخلو الوعي من معنى أعمق. فالجحيم الذي يخلقه ليس بلا جدوى. هو الألم الذي يمنع الإنسان من التكرار، والقلق الذي يدفعه للنمو، والبصيرة التي تحرّره من العيش داخل الوهم. الوعي لا يمنح السعادة، لكنه يمنح الكرامة.

ختام القول
جحيم الوعي ليس لعنة تُدان، ولا نعمة تُحتفى بها على إطلاقها؛ إنه الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يختار أن يرى بدل أن يغمض عينيه. قد يُنهك الفهم، ويُثقِل القلب، ويُبعد صاحبه عن بساطة العالم، لكنه في المقابل يمنحه صدقًا لا رجعة عنه. فالوعي، مهما كان موجعًا، يظل أكرم من الطمأنينة الزائفة، وأصدق من راحة تقوم على الجهل. وبعد أن تتفتح العين على الحقيقة، لا يعود السؤال: هل كان الوعي جحيمًا؟ بل: هل كان بالإمكان أن نعيش بدونه؟

قد يهمك