بث تجريبي

د. ياسمين السبع تكتب: «التاريخ من أسفل».. من يصنع الأحداث؟

يعد التاريخ أحد أقدم التخصصات المعرفية التي انشغل بها الإنسان منذ أن بدأ تسجيل تجاربه وفهم مساره عبر الزمن، ولم يكن التاريخ يوما سردًا مجردًا للأحداث الماضية؛ إذ بات معروفًا أن التاريخ علم تحليلي نقدي، يسعى إلى تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية والسياسية في سياقها الزمني، وليس مجرد تسجيل محايد لما وقع من أحداث، فالمؤرخ لا ينقل الحدث؛ بل يحلل أسبابه ويفكك نتائجه ويدرس السياق الاجتماعي والسياسي والفكري الذي نشأ فيه هذا الحدث، وما يتطلبه ذلك من التعامل النقدي مع المصادر، سواء كانت وثائق رسمية، مذكرات شخصية، صُحفًا، أو روايات شفهية، مع الإدراك والقدرة الحسية على فهم ما قد يحمله هذا المصدر من تحيز وما هية ظروف إنتاجه، ربما كان هذا من جملة تطور تخصص التاريخ ليصبح مجالاً أكاديميًا متعدد المناهج يعتمد على التحليل الوثائقي، والنقد النصي، والتقاطع مع العلوم الاجتماعية الأخرى مثل علم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا، ليسهم في تشكل وعي الشعوب من خلال فهم جذور الهوية، ومراحل تشكلها والصراعات التي مرت بها.

كما أتاح علم التاريخ للباحث نقد السياسات المعاصرة وفهم أنماط الهيمنة أو التبعية الاقتصادية، وبالتالي تتبع مسارات الإصلاح؛ لذا كان من الضروري دراسة التاريخ بشتى تخصصاته، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وغيرها من التخصصات المتداخلة مع مجالات أخرى تمنح الباحث أدوات تحليل أوسع وتساعده في فهم الظواهر المركبة بطريقة أكثر عمقا وتحمل أبعاد مختلفة.

التاريخ أفقيا

في ضوء كل تخصصات التاريخ المتنوعة والتي قدمت قدرًا واسعًا من المعرفة، ظهر تخصص (التاريخ من أسفل-history from below)، وهو مصطلح معرفي ظهر كأحد أهم التحولات المنهجية في الكتابة التاريخية خلال القرن العشرين، وذلك كرد فعل نقدي على هيمنة التاريخ السياسي والنخبوي الذي ركَّز طويلاً على أفعال الملوك والحكام والنخب السياسية، وأهمل تجارب الفئات الاجتماعية الأوسع؛ إذ يسعى هذا الاتجاه إلى إعادة بناء الماضي من وجهة نظر الفئات المهمشة كالفلاحين، والنساء، والأقليات –عددًا وليس تأثيرًا- وسائر من تاهت أصواتهم في السرديات الرسمية.

لا يقتصر (التاريخ من أسفل) على تغيير موضوع الدراسة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف معنى الفاعلية التاريخية نفسها، معتبرًا بذلك أن الجماهير ليست مجرد متلق سلبي للأحداث، بل فاعل أساسي في صُنع التاريخ.

الجذور الفكرية والمنهجية للتاريخ من أسفل

ارتبط مفهوم (التاريخ من أسفل) في بداياته بمدارس التاريخ الاجتماعي في أوروبا، خصوصًا في بريطانيا، حيث سعى مؤرخون إلى دراسة تاريخ الطبقات العاملة والحركات الشعبية، غير أن المفهوم بلغ ذروته النظرية مع ظهور مدرسة دراسات التابع (subaltern studies) في جنوب آسيا في ثمانينيات القرن العشرين، وهدفت هذه المدرسة إلى تفكيك السرديات القومية والاستعمارية وإبراز أدوار الفلاحين والعمال في مقاومة الهيمنة و الاستعمار، بدلا من الحديث المعتاد عنهم كجماهير غير واعية، ومع هذا فإن التاريخ من أسفل يميز بين التاريخ الاجتماعي ودراسات التابع فبينما يركز الأول على البنى الاجتماعية، يهتم الثاني بمسألة التمثيل والصوت فتعني بمن يتحدث باسم من؟، وكيف تُصاغ المعرفة التاريخية؟، وهل يُمكن للتابع أن يتكلم داخل الأرشيفات الرسمية؟.

يقوم التاريخ من أسفل على نقد افتراض أساسي في التاريخ التقليدي، وهو أن التغيير التاريخي يحدث دائما من رأس الهرم، عبر قرارات الحُكام والنُخب، مقترحًا بدلا من ذلك أن التغيير غالبًا ما يكون نتاجا لتفاعلات اجتماعية واسعة، وصراعات يومية، وأشكال مختلفة من الأحداث غير الرسمية لعبت دورًا هامًا في صناعة التاريخ، في محاولة للتركيز على ما يسمى الفاعلية اليومية (Everyday Agency)، أي الأفعال الصغيرة التي يقوم بها الأفراد في حياتهم اليومية، والتي قد لا تبدو فاعلة لكنها تراكم أثرًا تاريخيًا مُهمُا، مثل التهرب الضريبي، أو الاحتجاج، أو إعادة تأويل الخطاب الديني والسياسي، وتغيرات العادات والسلوكيات للأفراد ودراسة أنماطهم وتوجهاتهم، وذلك من خلال أدوات ومصادر تتجاوز الأرشيفات الرسمية؛ نظرًا لأن الأرشيفات الرسمية غالبًا ما تعكس وجهة نظر السُلطة في ذلك التوقيت، محاضر الشرطة التي تعج بخلافات تكشف الكثير من عادات وسلوكيات الأفراد وتغيرها وتفاصيل عن الملابس و مهن الجنسيات المختلفة، وكثير من التفاصيل القابعة بين السطور بعيدا عن الأسباب الرئيسية المدونة في المحضر الرسمي، ومنها الصحف المستقلة، وسجلات المحاكم الشرعية، والسجلات الجنائية، والتاريخ الشفهي.

تاريخ مصر من منظور شعبي

رغم أن هذا الاتجاه في التناول نشأ في سياق آسيوي وأوروبي، فإن تطبيقه في الشرق الأوسط أظهر إمكانيات تحليلة واسعة، خصوصًا في دراسة الحركات العمالية، والقضايا الاجتماعية، وتاريخ النساء، وتاريخ الريف، وخاصة في مصر؛ إذ تتوافر فيها مادة غنية لدراسات فئات العوام والمهمشين، لا سيما في تاريخ مصر الحديث، بدءًا من التحولات الاقتصادية في عهد محمد على وتوسع الدولة وتشكل الطبقة العاملة بين أصحاب الحرف والمتسببين وما نتج عنها من صراعات اجتماعية، فعلى سبيل المثال لا الحصر تكشف الدراسات من منظور التاريخ من أسفل أن الفلاحين لم يكونوا مجرد ضحايا لسياسات الدولة أو قمع الاحتلال، بل كانت لهم مقاومتهم الخاصة كإخفاء المحاصيل، وعلى صعيد آخر كان العمال جزءًا لا يتجزأ من النضال ضد الاحتلال البريطاني، وليس مجرد هوامش لحركة نخبوية قادها سياسيون، من خلال الاضطرابات والاحتجاجات العمالية، بل إن فئة «العربجية والحمٌارة» كان لهم دور في صناعة التاريخ؛ إذ أطلق العربجية الشائعات فور ظهور الترام في القاهرة عام 1896م من أنه يصيب من تستقله من النساء بالعقم، وأطلقوا عليه اسم «العفريت»؛ وذلك لكي لا يتأثر مدخولهم بمنافسهم الجديد، وقد نجحت خطتهم بالفعل لفترة من الزمن، كما كان لهم دور مهم في مقاومة الانجليز؛ إذ كانت أثر الفئات احتكاكًا بالمحتلين، فوجدنا الكثير من الوثائق الرسمية كمحاضر ديوان محافظة مصر بدار الوثائق القومية تتحدث عن مقاومتهم للإنجليز، كرفع أجرة التنقل فجأة، وسب الجنود علنًا، وافتعال المشاجرات، وهو ما اعتبرته السلطات البريطانية إهانة لا تغتفر.

وفي ثورة 1919 كان للعربجية دور أيضا، نقل المنشورات، تهريب الثوار، شل حركة الجنود خاصة بالأحياء الشعبية، وفي النهاية كل يقاوم بطريقته وما يملكه من أدوات، وهو ما يخبرنا أن الفئات المهمشة لم تكن مجرد ضحايا بل جزءًا حيًا من نسيج المقاومة اليومية ضد الاحتلال البريطاني، كما كانوا فاعل أساسي وترس خفي في محرك التاريخ.

إشكاليات إنتاج المعرفة التاريخية من منظور سُفلي

هناك تحديات أمام الباحثين في هذا التخصص الدقيق لاستخلاص الحقائق بشفافية وموضوعية، تكمن في الآتي:

ـ أولاً: إشكالية المصدر الذي غاب عنه صوت الفئات الشعبية أو تم تشويهه من قبل سلطات محللية أو استعمارية، فيظهر المُهمش كمُجرم أو مُتمرد فيٌعاد إنتاج خطاب الأرشيف كما هو بدلاً من تفكيكه وتحليله.

ـ ثانيا: إشكالية التعاطف كميل بعض الدراسات إلى تمجيد الفئات الشعبية وتصوير كل فعل كمقاومة بالضرورة واعية؛ مما قد يؤدي إلى أدلجة خطاب العوام، إذ ثمة فرق بين الفعل المقاوم والفعل البراجماتي للبقاء.

ـ ثالثا: إشكالية التمثيل، هل يستطيع المؤرخ الذي غالبا ما ينتمي لفئة النخبة، ويكتب بلغة أكاديمية رصينة، أن يفسر تجارب لا يعيشها، مما قد ينتج عنه تحليلات لأفعال لم يقصدها الفاعلون.

ـ رابعا: إشكالية التاريخ الشفهي والذاكرة الانتقائية، وتأثرها بالزمن والسياسة، وتجنب الخلط بين التجربة الفردية والسرد الجماعي.

وربما يمكن التغلب على تلك الإشكاليات من خلال إعادة استقراء وثائق الأرشيف الرسمي وليست قراءتها فحسب، من خلال تحليل اللغة، ولمن كُتبت الوثيقة؟، ومن الذي كتبها؟، وما مدى منطقيتها في سياقها الزمني، واستباق الشك لليقين، وأيضا من خلال تنوع المصادر ما بين سجلات المحاكم وتقارير الشرطة والصحافة الشعبية والأغاني والأمثال والأدب والمسرح، ومن خلال الجمع بين البنية والفاعلية، كعدم الفصل بين القيود البنيوية كالفقر والقمع وبين الاختيارات الفردية، حتى لا نقع في فخ الحتمية أو التعاطف، بالإضافة للوعي الذاتي للمؤرخ وضرورة معرفة موقعه وحدوده من البحث مع مراجعة هذه الحدود طيلة فترة البحث.

وأخيرًا، يمنح «التاريخ من أسفل» رؤية جديدة كُليًا ومختلفة لإعادة كتابة الماضي، لا بوصفه تاريخ الملوك والساسة وحدهم، بل تاريخ المجتمع بأكمله بمختلف فئاته، ورغم ما يواجهه من إشكاليات منهجية حقيقية، فإن التعامل الواعي معها يصنع منها أدوات تحليلية لفهم وسماع صوت المهمشين وأشكال حياتهم اليومية وتأثيرهم في بوصلة التاريخ، بصورة مغايرة لما كتبته النخب.

نقلاً عن بوابة الأهرام...

قد يهمك