بث تجريبي

د. حسني أحمد مصطفى يكتب: الثورة المجتمعية

شهد الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في دول الشرق الأوسط حراكًا مجتمعيًا، تمثّل في الثورات العربية التي اندلعت شرارتها في بداية العقد الثاني عام 2011، بدايةً من تونس (ديسمبر 2020 – يناير 2011)، وانتقالًا إلى مصر (25 يناير – 11 فبراير)، واليمن (11 فبراير 2011)، واحتجاجات أخرى طالت ليبيا وسوريا.

اتضحت أسباب هذه الثورات بشكلٍ مشترك في كل الدول، تمثّلت في تردّي الأوضاع الاقتصادية، والفساد السياسي، والقمع الأمني. وكانت المطالب الأساسية في كل هذه الدول، بمختلف نظمها وثقافاتها، مطلبًا واحدًا، ألا وهو إسقاط الأنظمة الحاكمة، وتحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ما أسفر عن إسقاط العديد من الحكّام العرب الذين طال أمدهم في السلطة بما تجاوز ربع قرن، مصحوبًا بالفساد والدكتاتورية والبطالة والعنف الذي طال الحريات، والتراجع في جميع مناحي المجالات الإنسانية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المحلية والإقليمية والدولية.

السؤال هنا؛ هل التغيير السياسي الذي تم في مجمل الأنظمة التي ثارت ضدها الشعوب حقّق ما استهدفته الجموع السلمية في أوطانها المسلوبة من قبل حفنة من الدكتاتوريين؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل، يجب أن نقف أمام مفهوم الثورة، مقارنةً بالتجليات الآنفة للحراك المجتمعي ضد النظم، وما أُطلق عليه الربيع العربي أو ثورة الشباب، في سياقات أطروحات المفكّر عبد الله أوجلان ورؤيته لمفهوم الثورة كعملية مجتمعية لها ركائزها وأهدافها وتداعياتها وغاياتها.

أولًا: الإطار المفاهيمي العام للثورة:
يرى عبد الله أوجلان أن الثورة ليست مجرد تغيير سياسي أو استيلاء على السلطة، بل هي عملية مجتمعية شاملة تهدف إلى إعادة المجتمع إلى طبيعته الأخلاقية والسياسية والديمقراطية بعد أن تم تجريده منها بفعل نظام المدنية السلطوية. ومن هذا المنطلق، يميّز أوجلان بين نوعين من الثورات: الثورات الإيجابية (التحررية) والثورات السلبية (السلطوية).

وفي رؤيته، يصف أوجلان الشخصية الثورية كونها صفة لا تُطلَق على من لا يُترجم المزايا الأخلاقية والسياسية والديمقراطية إلى قولٍ وفعلٍ في حياته اليومية. بذلك، لا تمثّل الثورة انفعالًا عاطفيًا يدفع بالأنساق المجتمعية نحو المواجهة والمدافعة، بل هي كُلٌّ متكامل بين الرؤية والمنهاج التطبيقي للقيم والرؤى الأخلاقية في المجتمع، حيث يربط أوجلان فرصة النجاح في السياق الثوري ليس فقط من خلال المدافعة والمواجهة:
«إذ ما من فرصة للنجاح الدائم في أيّ شكل من أشكال حرب الدفاع الذاتي والمقاومة، ما لم يتم توحيدها مع عمليات بناء المجتمع الأخلاقي والسياسي والديمقراطي».

ويمكن لنا في هذا السياق فهم الثورات المعاصرة في الشرق الأوسط والعالم العربي (2020 – 2013) وما تلاها بوصفها حالة تاريخية مركّبة تجمع بين:

- اندفاع ثوري مجتمعي إيجابي في لحظته الأولى.

- تحوّله لاحقًا إلى مسارات ثورة سلبية/مضادّة بفعل الدولة، والنخب، والعسكرة، والأدلجة.

وهو ما ينسجم مع طرح المفكّر عبد الله أوجلان الذي يرى:

 »إنّ التاريخ السياسي للشرق الأوسط هو تاريخ صراع دائم بين المجتمع وقوى المدنية السلطوية«.

وبالنظر إلى مفهوم الثورة، يتّضح ما يلي:

1-  الثورات السلبية (الثورة المضادّة):
ثورة تخدم قوى السلطة والدولة والهيمنة، لا المجتمع، فهي تبدو في ظاهرها تغييرًا أو تقدّمًا، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج الهرمية والسلطة والاستغلال. ويصف أوجلان تاريخ الشرق الأوسط في أحد أبعاده بأنه تاريخ متواصل للثورات المضادّة.

أ. ضحايا الثورة السلبية: المرأة، الشبيبة، مجتمع الزراعة، القرية، العشائر والقبائل، الجماعات الدينية والمذهبية غير الرسمية، والفئات المقهورة تاريخيًا.
ب. سمات الثورة السلبية: تركيز السلطة بدل تفكيكها، استبدال طغيان بطغيان آخر، معاداة التعددية، توظيف الدين أو القومية كأداة هيمنة، وإقصاء المجتمع عن الفعل السياسي الحقيقي.
ج. أمثلة: نشوء الدولة المركزية، الثورات القومية التي أنتجت دولًا قمعية، والحداثة الرأسمالية التي دمّرت الأخلاق والبيئة والمجتمع.

وبتناول تحوّلات الثورات العربية من الثورة الإيجابية إلى الثورة السلبية، وذلك بمرورها بتلك المراحل في ضوء الرؤية الأوجلانية:

لحظة الانكسار: وفق منطق أوجلان تبدأ الثورة السلبية حين:
- تنتزع النخبة قيادة الثورة من المجتمع.
-  يُعاد إنتاج الدولة وسطوتها على المجتمع بدل تعزيز دور المجتمع وتصحيح العلاقة بين المجتمع والدولة وفق عقد اجتماعي ديمقراطي.
- تتحوّل الثورة إلى صراع على السلطة، وهذا بالفعل ما حدث في أغلب الثورات العربية.

د. أدوات الثورة السلبية في السياق العربي: يمكن رصد نفس الأدوات التي تحدّث عنها أوجلان:
أ. الدولة العميقة: احتواء الثورة (مصر)، أو تفجيرها من الداخل (سوريا، ليبيا).
ب. العسكرة: تحويل المجتمع من فاعل إلى وقود.
ج. انتقال الثورة من أخلاقية إلى عنيفة.
د. الأدلجة (الدين، القومية): اختطاف الخطاب الثوري، وتبرير الإقصاء والعنف باسم الهوية.
هـ. تهميش المرأة: إخراج النساء من المجال العام، وهو مؤشر مركزي على تحوّل الثورة إلى مسار سلبي وفق الرؤية الأوجلانية.

2-  الثورات الإيجابية (الثورة الحقيقية التحررية):
هي استعادة المجتمع لأخلاقيته وسياساته وديمقراطيته بمستوى أرقى، وهي ثورة مجتمعية طويلة الأمد، لا تقوم على الاستيلاء على السلطة، بل على بناء المجتمع الحر.

ويرى أوجلان في نماذج الثوار الملهمين والثورة الإيجابية مثال زرادشت، وفي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موسى، وعيسى، ومحمد:
»حيث مثّلت ثوراتهم نموذجًا تعليميًا وناجعًا إلى آخر درجة في هذا الصدد»، والسبب في ذلك كونهم قادة مجتمعيين متكاملين، سريعي الوتيرة، مبدئيين وعمليين. بذلك، يُمكن لثورات الشرق الأوسط أن تُحرز النجاح، ليس بموجب قوالب الحداثة الرأسمالية، بل بما يناسب قيمها التاريخية، ولكن مع الالتحام بالعلم المعاصر.

ويمكن النظر إلى الثورات العربية في المرحلة الأولى بوصفها لحظة الثورة الإيجابية، وذلك لأنها:
أ. ذات سمات إيجابية مشتركة.
ب. في بدايتها جمعت الثورات العربية سمات قريبة جدًا من الثورة الإيجابية كما يعرّفها أوجلان:

- المجتمع هو الفاعل الرئيسي (لا الأحزاب ولا النخب).

- مشاركة واسعة من الشباب والنساء.

- مطالب أخلاقية قبل أن تكون أيديولوجية: العدالة، الكرامة، الحرية.

ج. غياب مشروع دولة بديلة واضح (وهو ما اعتبره أوجلان سمة طبيعية للثورات المجتمعية الأولى).

- تونس: انطلقت من مجتمع مهمّش (سيدي بوزيد).

- مصر: ثورة ميدان بلا قيادة مركزية.

- سوريا: احتجاجات مجتمعية سلمية عابرة للطوائف.

- اليمن وليبيا: رفض مجتمعي لنمط الدولة الريعية والعسكرية.

تمثّل هذه المرحلة في رؤية أوجلان «استعادة المجتمع لصوته الأخلاقي والسياسي «.

أ. معايير الثورة الإيجابية: المجتمع هو الفاعل الأساسي، لا تنتج دولة مركزية جديدة، تقوم على المشاركة لا الفرض، تحرّر المرأة باعتبارها محور المجتمع، تحمي البيئة والاقتصاد المجتمعي، وتفكّك الهرمية الاجتماعية ولا تعيد إنتاجها.
ب. نموذج الثورة الإسلامية المبكرة: يعتبر أوجلان أن تجربة الرسالة المحمدية لسيدنا محمد ﷺ مثّلت ثورة إيجابية شاملة (أيديولوجية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية)، قامت على العدالة الاجتماعية والمشاركة والتنظيم غير القائم على العنف المجرّد، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى دين دولة وسلطة.
ج. الثورة الإلهية: كانت ثورة إيجابية حين حطّمت التعدّد الطبقي المرتبط بتعدّد الآلهة، لكنها تحوّلت إلى ثورة سلبية حين رُبط التوحيد بالسلطة المطلقة والدولة المونارشية.

ويتّضح بالمقارنة بين الثورتين أن الثورة الإيجابية تتّسم بأن المجتمع هو الفاعل، وتستهدف تفكيك السلطة، وتحرير المرأة، وتحقيق الأخلاق والديمقراطية والاقتصاد المجتمعي والتعدّدية، أمّا الثورة السلبية فتكون النخبة والدولة فاعلة، ويتم التركيز على السلطة، وتهميش المرأة، وممارسة الأيديولوجيا والقمع، ويصبح الاقتصاد احتكاريًا، ويُمارس الإقصاء ضد باقي المكوّنات.

بذلك يؤكّد أوجلان أن معظم ما سُمّي ثورات في الشرق الأوسط كان في حقيقته ثورات سلبية، بينما لم تتحقّق الثورة المجتمعية الحقيقية بعد، والحل يكمن في تبنّي مشروع العصرانية الديمقراطية، والأمّة الديمقراطية، والثورة المجتمعية طويلة الأمد.

ويوصي أوجلان بقوله:
يجب ألّا تقع الثورات في خاتمتها في مرض السلطة وألاعيب الدولتية، كي تغدو قيمة ثمينة، وكي لا تدخل في مفارقة وتناقض مع أهدافها؛ فالثورات الصائرة سلطة ودولة على الفور لا تُعتبَر منتهية زائلة فحسب، بل وتصبح خائنة لأهدافها في المساواة والحرية والديمقراطية.

---------

نقلاً عن مجلة الأمة الديمقراطية

 

قد يهمك