بث تجريبي

اتفاق 29 يناير 2026: إعادة هندسة العلاقة بين دمشق وقسد أم هدنة انتقالية مؤقتة؟

يشكل اتفاق 29 يناير 2026 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية نقطة تحول مهمة في مسار علاقة اتسمت لسنوات بتوتر متعدد المستويات، جمع بين الاحتكاك العسكري، والتعايش القسري، والتنافس المستمر على شرعية الإدارة والسيطرة. لم يُعلن الاتفاق بوصفه تسوية نهائية، بل كإطار لإعادة التموضع داخل بنية الدولة السورية بعد أكثر من عقد من التحديات المؤسسية وتشظي مراكز القرار. وتشير التطورات إلى أن الاتفاق جاء نتيجة تفاعل مركب بين ضغوط ميدانية متراكمة، وحسابات استقرار متبادلة، وتبدلات تدريجية في أولويات الأطراف.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في تثبيت وقف إطلاق النار، بل في الاعتراف الضمني بدور قسد كشريك أساسي، وبضرورة الانتقال من نموذج "الإدارة الموازية" إلى نموذج "هندسة الدمج التدريجي"، بما يعكس إعادة تعريف وظيفة العلاقة بين المركز والأطراف، مع الحفاظ على مكاسب الطرف الكردي الأمنية والإدارية.

إن اختزال الاتفاق في إطار مصالحة سياسية أو تسوية شاملة يُغفل طبيعته البنيوية المعقدة، فالاتفاق يركز على مسار تقني–إداري سبق الحسم السياسي الأشمل، حيث تم تثبيت الأمن، وإعادة إدخال مؤسسات الدولة، وتهيئة هندسة دمج مرحلية للهياكل العسكرية والإدارية، بما يسمح لقسد بالمحافظة على حضورها الفاعل ضمن مؤسسات الدولة. ويعكس هذا النمط انتقالًا من إدارة النزاع المفتوح إلى إدارة انتقالية متوازنة، دون المساس بالحقوق المكتسبة أو الهيكل الإداري القائم، ويحول وقف إطلاق النار إلى عنصر ضمان لحماية الاستقرار المحلي وتقليص احتمالات الانتكاس.

تحليل مآلات الاتفاق

يسعى هذا التحليل لدراسة مآلات اتفاق 29 يناير بين قسد ودمشق مع تفكيك المتغيرات المؤثرة على مساره:

  • - الأمن: مدخل لإعادة التموضع.

  • - الشرعية: نتيجة لتفاعل السيطرة والقبول.

  • - الهوية: كبؤرة حساسية كامنة.

  • - الإدارة: حقل اختبار عملي للاتفاق.

  • - الاستدامة السياسية: كمحصلة لإغلاق فجوة التنفيذ.

الاتفاق ليس صفقة ظرفية، بل عملية إعادة هندسة للعلاقة بين الدولة المركزية و"قسد"، مع ضمان استمرار دور الأخيرة كضامن للأمن المحلي والفاعلية الإدارية.

تسوية حذرة

تبلور الاتفاق في سياق محلي وإقليمي اتسم بإرهاق الأطراف، وتزايد كلفة اللايقين الأمني، وتراجع هامش المناورة أمام كل من دمشق وقسد. المسار لم يكن نتيجة تقارب سياسي مفاجئ، بل تراكم تفاوضي طويل قائم على تقليص المخاطر وتأمين المكاسب.

سعت دمشق لإعادة توسيع نطاق السيادة تدريجيًا دون مواجهات عالية الكلفة، بينما سعت قسد لتثبيت حضورها العسكري والإداري ضمن إطار تفاوضي يقلل مخاطر فقدان المكاسب، ويضمن استمراريتها كشريك أساسي في إدارة المناطق.

ركز الاتفاق على ثلاث ركائز أساسية:

  1. 1- وقف إطلاق نار دائم.

  2. 2- إعادة إدخال مؤسسات الدولة.

  3. 3- بدء هندسة دمج مرحلية للهياكل العسكرية والإدارية.

دمج سيادي

ترى دمشق الاتفاق كأداة لتعزيز شرعيتها تدريجيًا، بينما يضمن لقسد موقعها المؤثر داخل الدولة دون فقدان قدرتها التنظيمية. العلاقة بين السيطرة الأمنية والاندماج الإداري هي علاقة تبادلية:

  • - يمكّن الأمن الإدارة

  • - الإدارة تعزز الشرعية

  • - الشرعية تدعم الاستقرار

محاور الدمج بين دمشق وقسد:

  1. 1- وقف النار الدائم: يحمي البيئة المؤسسية للدمج ويضمن الاستقرار.

  2. 2- دمج المؤسسات العسكرية: يحافظ على فعالية الهيكل العسكري لقسد مع ممارسة تدريجية للسيادة.

  3. 3- انتقال الإدارة المدنية: يتيح الحفاظ على حضور قسد الإداري والخدماتي.

  4. 4- كوباني المحاصرة: قدرة قسد على إدارة ملف حساس مع تعزيز استقرار المنطقة.

  5. 5- الحقوق القومية: الاعتراف القانوني والثقافي يعزز دور قسد ويضمن المشاركة التدريجية في القرار.

  6. 6- إدارة التوازن الداخلي: يحمي دور قسد ويمنع انتكاس الاتفاق، مع آليات لحماية المكاسب المحلية.

أفق مفتوح

الاتفاق يطرح سؤالًا بنيويًا حول طبيعة العلاقة بين الحكومة الانتقالية وقسد وحدود تأثيرها على هيكل الدولة السورية. ما يجري أقرب إلى إعادة هندسة تدريجية وطويلة الأمد تعكس اعترافًا عمليًا بدور قسد كشريك أساسي في الأمن والإدارة المحلية.

لا تُفهم إعادة إدخال مؤسسات الدولة على أنها إلغاء دور قسد، بل كفرصة لتطوير التعاون التدريجي، ويعكس هذا نموذج السيادة التدريجية المتفاوض عليها، ما يمنح الطرفين القدرة على التكيف المتبادل والحفاظ على مكتسبات الإدارة الذاتية.

سيناريوهات مستقبلية لقسد:

  1. 1- نجاح تدريجي ومكاسب مستدامة: استمرار التعاون يعيد بناء الثقة ويضمن استقرار المؤسسات.

  2. 2- جمود مرحلي مع إدارة النزاع: تثبيت المكتسبات تدريجيًا دون انفجار شامل.

  3. 3- انتكاس محدود: ظهور تحديات غير متوقعة مع قدرة قسد على حماية المكتسبات.

العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على تقليص فجوة التنفيذ وتحويل الهياكل القائمة إلى عناصر استقرار، مع الحفاظ على المرونة للتكيف مع أي متغيرات.

الخلاصة

اتفاق 29 يناير 2026 يمثل مرحلة انتقالية مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين دمشق وقسد. التنفيذ الجزئي لا يعني استقرارًا فوريًا، بل مسار تدريجي يترك مساحة لقسد لتأكيد حضورها ومكتسباتها المحلية. استدامة الاتفاق مرهونة بالمشاركة الفاعلة للأطراف، إدارة التوازن الداخلي، وحسم الملفات الحقوقية والسياسية ضمن التدرج الأمني والإداري.

قد يهمك