بث تجريبي

في حوار لـ"المبادرة" .. د. سحر حسن: نداء 27 فبراير من أوجلان خطوة شجاعة وإنهاء عزلته ضرورة لدفع مسار السلام

عام يمضي على  مبادرة نداء السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها الزعيم الكردي عبدالله أوجلان في 27 فبراير 2025، الإعلان الذي وضع الشرق الأوسط والقضية الكردية أمام محطة مفصلية.

وبهذه المناسبة أجرى موقع "المبادرة" هذا الحوار مع دكتورة سحر حسن أحمد وهي باحثة مصرية في علم التاريخ، والتي أكدت أن المبادرة كانت نقلة تاريخية من الكفاح المسلح إلى النضال الديمقراطي السياسي، وفتحت آفاقاً جديدة لبناء الثقة والمصالحة.

وأشادت الدكتورة سحر حسن أحمد بالقرارات الجريئة والشجاعة للزعيم الكردي أوجلان، والتي قالت إنها التي تصنع السلام الآن، الذي لن تقتصر مكاسبه على تركيا فقط بل على الشرق الأوسط ككل.

وإلى نص الحوار:

*أبدأ معك من كلمة أوجلان اليوم تزامناً مع ذكرى 27 فبراير، كيف تابعت هذا الخطاب ورسائله؟

- يمثّل خطاب السيد عبدالله أوجلان اليوم رؤية ناضجة وشاملة لمسار السلام والديمقراطية، ويعكس عمق الوعي السياسي والإنساني لدى أوجلان في مقاربته لقضايا المجتمع والدولة معاً. فهو لا يكتفي بالدعوة إلى إنهاء الصراع، أو يقدم مجرد مبادرة، بل يطرح مشروعاً متكاملاً للبناء المشترك، قائماً على المواطنة الحرة، وسيادة القانون، واحترام التعددية الثقافية والدينية والقومية، أو يمكن القول إن خطابه عبر عما يعنيه مفهوم الاندماج الديمقراطي. كما يبرز الخطاب أهمية المصالحة والاندماج باعتبارهما أساساً للاستقرار الدائم، ويمنح المرأة دوراً محورياً في صناعة المستقبل والسلام، باعتبارها قوة التغيير الأهم. من المميز أن خطاب السيد عبدالله أوجلان لم يخل كالعادة من الإشارة إلى المرأة ومكانتها، وهو من أكثر المؤمنين بذلك. ويتميّز هذا الطرح بروحه الإيجابية التصالحية، وابتعاده عن لغة الإقصاء، واعتماده على الحوار والعقل المشترك. إن هذه الرسالة إذا تم السير وفقاً لها ووجدت الاستجابة المناسبة من النظام التركي فإنها ستفتح صفحة جديدة تقوم على العدالة والشراكة، وتؤكد أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا عبر المشاركة والمسؤولية الجماعية وبناء الثقة بين جميع مكونات المجتمع.

*نعود إلى نقطة البداية، نداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أطلقه أوجلان في 27 فبراير 2025، اليوم يمر عام، ما قراءتك لهذه اللحظة من منظورك كباحثة في علم التاريخ؟

- نحن أمام محطة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فحين ننظر إلى هذه المبادرة بعد عام كامل، ندرك أنها لم تكن حدثاً عابراً أو مجرد بيان سياسي، بل كانت تعبيراً عن تحول عميق في بنية التفكير السياسي في المنطقة. من منظور تاريخي، نرى أن المبادرات الكبرى التي تُحدث فارقاً حقيقياً هي تلك التي تخرج من رحم الأزمات، وهذا ما ينطبق تماماً على نداء السلام. لقد جاء في لحظة انسداد تاريخي، وصاغ أفقاً جديداً تجاوز منطق الغلبة والقوة نحو منطق الشراكة والاعتراف المتبادل.

*البعض يرى أن هذا النداء شكّل قطيعة مع مراحل طويلة من الصراع، ما تفسيرك لذلك؟

- نعم، هو بالفعل يمثل قطيعة معرفية وسياسية مع مراحل سابقة. الصراع الكردي-التركي مرّ بمحطات متعددة، اتسم معظمها بالعنف وانعدام الثقة. ما فعله هذا النداء أنه أعاد تعريف طبيعة الصراع نفسها، فبدلاً من أن يبقى محصوراً في إطار عسكري أو أمني، جرى نقله إلى ساحة السياسة والمجتمع. هذه النقلة في التاريخ عادة ما تكون الأصعب، لأنها تتطلب شجاعة فكرية قبل أن تتطلب شجاعة سياسية. وهنا أقدم تحياتي للسيد عبدالله أوجلان لأنه كان يمتلك الشجاعة الكاملة لاتخاذ هذه الخطوة، في ترجمة عملية لفكره وفلسفته القائمة على مفهومي الأمة الديمقراطية والاندماج الديمقراطي.

*من زاوية تاريخية، هل سبق أن شهدت المنطقة مبادرات مشابهة في تأثيرها؟

- إذا عدنا إلى تاريخ الشرق الأوسط، سنجد أن محاولات السلام كانت موجودة دائماً، لكنها غالباً ما كانت تفتقر إلى العمق المجتمعي والفلسفي. كثير من الاتفاقات السابقة كانت تقوم على توازن قوى مؤقت أو ضغوط دولية، فتنهار سريعاً. ما يميز مبادرة السيد عبدالله أوجلان أنها لم تُبنَ فقط على حسابات سياسية، بل على رؤية فكرية تتعلق بالدولة والمجتمع والهوية، وهذا ما يمنحها فرصة أكبر للاستمرار. كما أنها ارتبطت في طرحها بكثير من القضايا والأزمات التي تواجه شعوب الشرق الأوسط، وجميعها نتائج للدولة القومية والحداثة الرأسمالية.

*ما تقييمك لاستجابة الأطراف المختلفة لهذه المبادرة خلال العام الماضي؟

- لقد رأينا خطوات واضحة من جانب حزب العمال الكردستاني باتجاه التحول السياسي وترك العمل المسلح، وهذا تطور تاريخي مهم، عكس رغبة السيد عبدالله أوجلان في السلام وإصراره عليه، كما عكس أنه لا يزال الرقم الأهم في معادلة القضية الكردية داخل تركيا وخارجها. ومن جهة أخرى، ما زالت الدولة التركية تتحرك ببطء شديد. في التاريخ، مسارات السلام غالباً ما تكون غير متوازنة في بداياتها، لكن المهم هو الحفاظ على الاتجاه العام. وأستطيع القول إن خطوات أوجلان الجريئة نحو السلام تشكل الضمانة الأهم له إلى الآن.

*من بين أهم خطوات عملية السلام كانت فعالية السليمانية الرمزية وإحراق عشرات من مقاتلي الحزب أسلحتهم، كيف تابعت تلك الخطوة وقتها؟

- الرمزية في التاريخ السياسي لها وزن كبير. إحراق السلاح ليس فعلاً استعراضياً كما يظن البعض، بل رسالة موجهة للمجتمع قبل أن تكون موجهة للخصوم. هي إعلان بأن مرحلة معينة انتهت، وأن هناك استعداد لمرحلة جديدة قد بدأت. في تجارب دول أخرى، مثل جنوب أفريقيا أو إيرلندا الشمالية، لعبت الرمزية دوراً أساسياً في إعادة بناء الثقة، وهذا ما نشهده هنا أيضاً.

*ما رأيك في دور أوجلان تجاه السلام، رغم أنه سجين في إمرالي منذ نحو 27 عاماً؟

- هناك نماذج لقادة أثّروا في مجتمعاتهم رغم قيود السجن، مثل نيلسون مانديلا. ما يميز حالة السيد عبدالله أوجلان أنه استطاع تحويل العزلة إلى مساحة تفكير وإنتاج سياسي. لقد قدّم مشروعاً متكاملاً، ولم يكتفِ بالشعارات. هذا يدل على أن القوة الحقيقية للقيادة لا ترتبط بالموقع الجغرافي، بل بقدرتها على التأثير في الوعي الجمعي. كما أثبت من خلال فكره أنه مهما كانت قيود السجن فلا تستطيع أبداً أن تمنع الأفكار من رؤية النور. أوجلان طرح السلام، ورسخ لأسسه، واتخذ كافة الخطوات المؤثرة لجعله أمراً واقعاً. بلا شك نداء 27 فبراير كان خطوة شجاعة تاريخية هي التي تصنع السلام في تركيا الآن، وعلى نحو سيكون له تأثيره على الشرق الأوسط ككل.

*كيف عكس نداء السلام البعد الفكري لدى أوجلان؟

- المبادرة لم تطرح السلام بوصفه هدنة، بل بوصفه مشروعاً مجتمعياً. حين يتحدث أوجلان عن الأمة الديمقراطية، فهو يقدّم بديلاً عن الدولة القومية الصلبة التي فشلت في إدارة التنوع. هذه الفكرة، تاريخياً، تمثل ثورة في التفكير السياسي في المنطقة، لأنها تعترف بالتعدد وتجعله مصدر قوة لا مصدر تهديد.

*إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه التجربة في قضايا أخرى بالمنطقة؟

- التأثير قد يكون كبيراً إذا كُتب لهذا المسار النجاح. الشرق الأوسط مليء بالصراعات المزمنة، سواء على أساس قومي أو مذهبي. إذا نجح النموذج الكردي-التركي في التحول السلمي، فسيكون مثالاً يحتذى به. في التاريخ، النماذج الناجحة تنتقل من سياق إلى آخر، وتُلهم الفاعلين السياسيين.

*البعض يشكك في إمكانية الوصول إلى سلام دائم، ما رأيك؟

- التشكيك مفهوم، لأن الذاكرة مليئة بالإخفاقات. لكن المؤرخ لا يحكم فقط على النوايا، بل على المسارات. حتى الآن، المسار يشير إلى وجود إرادة حقيقية للتغيير، ولو كانت بطيئة. السلام الدائم لا يولد فجأة، بل يُبنى عبر تراكمات صغيرة، من إصلاحات قانونية، وحوار مجتمعي، ومصالحات رمزية.

*هل ترين أن القضية الكردية دخلت مرحلة جديدة فعلاً؟

- نعم، نحن أمام مرحلة مختلفة. القضية لم تعد محصورة في مطالب ثقافية أو سياسية جزئية، بل أصبحت مرتبطة بمشروع ديمقراطي شامل. هذا التحول يمنحها بعداً إنسانياً عالمياً، ويخرجها من إطار الصراع المحلي الضيق. وهنا نحن بحاجة إلى ثورة ذهنية دعا إليها السيد عبدالله أوجلان من أجل بناء سلام حقيقي. السلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى بعقليات قديمة. والثورة الذهنية تعني مراجعة الصور النمطية، والتخلي عن خطاب الكراهية، وتعلّم قبول الآخر. في تجارب السلام الكبرى، كان التغيير النفسي والاجتماعي يسبق أحياناً التغيير السياسي.

*دكتورة سحر، برأيك، ما أبرز التحديات التي تواجه المرحلة المقبلة؟

- التحدي الأول هو غياب الثقة المتراكمة عبر عقود. الثاني هو الضغوط الإقليمية والدولية التي قد تحاول توظيف الملف لمصالحها. الثالث هو الوضع الداخلي التركي وتعقيداته السياسية. التعامل مع هذه التحديات يتطلب صبراً وحكمة. لا شك أن هناك قوى داخلية في تركيا وأخرى خارجية لا تريد لمسار السلام النجاح، لكن حقيقة فإن الخطوات الجريئة التي يتخذها السيد أوجلان قادرة على ضبط المسار وجعله يتواصل لا سيما أنه بكل مبادراته ورسائله وضع الكرة في ملعب النظام التركي. والنظام عليه الآن تقديم مزيد من حسن النوايا، واتخاذ خطوات قانونية ودستورية تضمن حقوق المكون الكردي كجزء من شعب الجمهورية التركية. ولا بد من إنهاء عزلة السيد عبدالله أوجلان وتمكينه من حقه في الأمل، فهذه خطوة من شأنها دفع مسار السلام دفعة قوية إلى الأمام. كما أنه لا بد من توسيع دائرة الحوار، وضمان مشاركة جميع الأطراف، وعدم العودة إلى لغة التهديد. كذلك، يجب ربط السلام بتحسين حياة الناس فعلياً، اقتصادياً واجتماعياً، حتى يشعر المواطن بثماره.

 

 

قد يهمك