تزامناً مع استمرار المعارك على أكثر من جبهة في السودان، تشهد قوات الدعم السريع انشقاقات لا يمكن تصنيفها ضمن الخلافات التكتيكية العابرة، بل تبدو أقرب إلى عملية إعادة تشكيل قسرية لبنيتها الداخلية تحت ضغط الحرب الطويلة وتراكم الضغوط الإقليمية والدولية.
وتواجه القوة التي نشأت من رحم الجنجويد وتوسعت حتى أصبحت كياناً مسلحاً موازياً للدولة، أزمة ذات طابع وجودي، في ظل اضطراب الإقليم وتراجع فعالية بعض خطوط الإمداد والدعم الخارجي، وهو ما يفرض على الأطراف الدولية البحث عن شريك تفاوضي قادر على الالتزام بما يُتفق عليه ميدانياً وسياسياً.
تحالفات قبلية وبنية غير متجانسة
لم تكن قوات الدعم السريع في أي مرحلة بنية متجانسة، بل تشكلت في الأساس من تحالفات قبلية وإقليمية، برزت فيها قبائل الرزيقات والمحاميد كعمود فقري، إلى جانب عناصر من خلفيات ومناطق مختلفة انضموا بدوافع متعددة تتراوح بين الحوافز المالية والولاءات المحلية.
ومع توسع العمليات العسكرية ووجود قدر من الزخم الهجومي نتيجة تدفق الموارد وتوسيع نطاق السيطرة، حافظ هذا التشكيل على تماسك وظيفي مكّنه من العمل كوحدة واحدة. لكن مع تحول الحرب إلى نزاع استنزافي طويل الأمد، وارتفاع الكلفة البشرية داخل مكونات قبلية محددة، بدأت مؤشرات التململ الداخلي بالتصاعد، إلى جانب تراجع الآمال بتحقيق حسم سريع.
وتعكس الانشقاقات الحالية داخل التشكيل العسكري ثلاثة مستويات متداخلة من الأزمة: أولها تباين داخل القيادة الميدانية بشأن جدوى الاستراتيجية العامة، وثانيها تصاعد التوترات حول توزيع الموارد والمناطق النفوذ، وثالثها بروز حسابات سياسية تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب ومحاولة التموضع داخل أي تسوية مستقبلية.
إشكالية التمثيل التفاوضي
يرى مسؤول حكومي سوداني سابق أن الأزمة الحالية تضع الوسطاء الدوليين أمام معضلة حقيقية تتعلق بتمثيل قوات الدعم السريع في أي مفاوضات جدية. فغياب الانسجام الداخلي بين القيادة العليا وبعض القادة الميدانيين يجعل أي اتفاق عرضة للتعطيل أو الإلغاء من أطراف لا تشعر بأنها ملزمة به فعلياً.
ويشير هذا الواقع إلى فجوة واضحة بين التمثيل السياسي والقدرة الفعلية على ضبط الأرض، وهو ما يضعف فرص بناء اتفاقات قابلة للتنفيذ المستدام.
من جانبه، يحذر صحفي سوداني من أن بعض الأطراف قد تنظر إلى هذه الانقسامات باعتبارها فرصة لتسريع الحسم العسكري بدلاً من الدفع نحو تسوية سياسية، غير أن هذا الخيار قد يحمل مخاطر إضافية، إذ يمكن أن تؤدي الانقسامات إلى إعادة تشكيل مجموعات أكثر تشدداً وأقل انضباطاً في حال استمرار القتال.
تعقيد خريطة التفاوض
تزيد الخريطة الميدانية الراهنة من تعقيد المشهد السياسي، في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، مقابل سيطرة الجيش على مناطق حيوية في الشمال والشرق ووسط البلاد. هذا الواقع يخلق حالة من “التوازن غير المستقر”، حيث يعتقد كل طرف أنه يمتلك ما يكفي لفرض شرعية أمر واقع.
وبالتالي، فإن أي مفاوضات مستقبلية تصبح محكومة بهذا الانقسام الميداني، ما يضعف منسوب التنازلات المتبادلة ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية شاملة.
في المحصلة، لا تبدو التصدعات الداخلية داخل قوات الدعم السريع عاملاً مسرّعاً للحل بقدر ما تشكل عنصر تعقيد إضافي في المشهد السوداني. فهي تعكس هشاشة البنية التنظيمية، وتضع المجتمع الدولي أمام تحدي إيجاد آليات ضمان تتجاوز التوقيع السياسي إلى التنفيذ الفعلي على الأرض، في بلد ما زال مسار الاستقرار فيه مرهوناً بحل جذري لبنية الانقسام العسكري والمؤسسي.