بث تجريبي

بدون إحراج/ سيد أبو اليزيد يكتب: صراع العقائد والسياسة وسيناريوهات الفوضى والحل

المشهد المرتبك لاتساع الصراع الدائر بين إيران من جانب، وأمريكا والاحتلال الإسرائيلي من جانب آخر، بعد علاقة خاصة تصل إلى درجة الحميمية إزاء طرفين لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، سواء بالمودة أو الخصومة؛ يقودنا بل ويدفعنا إلى التحذير من أن المعركة الحربية الحالية تنطلق على أسس توظيف الدين لخدمة الصراع السياسي.

خاصة بعد أن فجر السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني "مايك هاكابي" – وبوصفه قساً معمدانياً بخلفية دينية – موجة غضب واسعة بين الأوساط العربية والمجتمع الإسلامي بخطابه التحريضي، واصفاً السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية بأنها مسألة مقبولة استناداً إلى "حق توراتي"!

ولا يمكن فهم التصعيد الراهن في منطقة الشرق الأوسط بمعزل عن تصاعد موجات الكراهية ضد المسلمين في أوروبا؛ بسبب تداخل الأطماع السياسية مع التطرف الديني من ناحية، أو استدعاء القاموس التوراتي الذي أصبح يحكم لغة القادة العسكريين والدبلوماسيين من ناحية أخرى، بما يمثل لهجة خطيرة ربما تؤدي إلى انفجار وشيك، وقد تؤدي لانزلاق العالم نحو الهاوية.

ومن الملاحظ رؤية تيار يرى تصفية القضية الفلسطينية واستهداف إيران واجباً دينياً قبل أن يكون هدفاً سياسياً؛ وتحت مسمى عملية "زئير الأسد" أطلق الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة النطاق تستهدف العمق الإيراني بمواجهات عقائدية تستدعي النصوص الدينية القديمة لتبرير سفك الدماء.

وحرب (زئير الأسد) تسمية ليست عادية أو عشوائية، بل هي "قنبلة أيديولوجية" مستمدة من رمزية الأسد في النصوص التوراتية، حيث الأسد هنا هو رمز "سبط يهوذا"؛ فالزئير هنا ليس مجرد صوت، بل هو إنذار إلهي – طبقاً للمعتقدات الصهيونية – للقضاء على الخصوم.

وليس من قبيل الصدفة أن تتزامن العملية العسكرية مع الذكرى الـ 106 لمعركة "تل حاي"، حيث يربض تمثال الأسد الزائر فوق قبر "يوسف ثرومبلدور"، ليربط الاحتلال بين الذاكرة القومية والواقع العسكري.

واختيار التوقيت للحرب في "سبت التذكر" الذي يسبق عيد "البوريم" عند اليهود، يخلد نجاتهم من "هامان الفارسي" في قديم التاريخ، واليوم يتم إعادة إنتاج المشهد ليصبح "خامنئي" هو "هامان المعاصر"، وتتحول الحرب على إيران لاستمرارية تاريخية للصراع مع بلاد فارس.

وإذا كنا اليوم أمام سردية للمواجهات العقائدية في عالم تتشابك فيه الحسابات السياسية مع التأويلات العقائدية، وتختلط فيه المصالح الاستراتيجية بلغة الخلاص نسفاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة؛ فقد أصبح الإرهاب لا يمثل دولة لها حدود، بل فكرة عابرة للقارات تستغل الأزمات الإنسانية.

حيث نرصد في سوريا – على سبيل المثال – اعتماد تنظيم "داعش" حالياً على الخلايا الصغيرة والعمليات المباغتة في دير الزور والرقة، والأخطر من ذلك فرار العناصر شديدة الخطورة من السجون، مما يهدد بإنتاج جيل جديد من المتطرفين وسط بيئة هشة تشهد اغتيالات بشكل دائم، دون الالتفات لدعوة القائد الكردي "عبد الله أوجلان" لإحلال السلام بكافة ربوع الدول من خلال مشروع (الأمة الديمقراطية) كخروج آمن للدول من المآزق التي تعيشها حالياً.

ينبغي إدراك أن التطرف العابر للحدود لا يقتصر على جماعة دون أخرى، بل يمتد كعدوى فكرية تهدد استقرار النظام الدولي بأكمله، وتصاعد وتيرة الحرب الدائرة الآن يفتح الباب أمام تداعيات استراتيجية واقتصادية عميقة، وقد يترتب عليها أيضاً انزلاق المنطقة إلى حالة من الفوضى جراء التصعيد.

بلا شك، استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الخسائر لأطرافها والدول المجاورة لها، وأيضاً الدول البعيدة؛ حيث التأثر من قفزات ارتفاع أسعار البترول والغاز، وحدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد للغذاء مع ارتفاع في أسعارها، بسبب ارتفاع تكلفة الشحن نتيجة تغيير مسارات السفن إلى "رأس الرجاء الصالح" تجنباً لحدوث اشتباكات في البحر الأحمر، مما يترتب عليه أيضاً زيادة في تكلفة بوليصة التأمين للسفن العابرة والشحن البحري.

والتجارب السابقة أثبتت أن أي مواجهة عسكرية بالشرق الأوسط لا تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تمتد تأثيراتها وآثارها لموازين القوى والتحالفات، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية.

نحن أمام سيناريوهات معقدة إزاء الحرب الدائرة الآن قبل تغليب لغة الحوار لضمان إيقاف نزيف الخسائر؛ حيث تعتزم أمريكا استمرار ضغطها على إيران لتحقيق هدفها في إسقاط النظام الإيراني، وهو هدف معلن قد يؤدي إلى التفكك الداخلي لـ(بلوشستان وكردستان وخوزستان وأذربيجان الإيرانية) وغيرها، مما يجعل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار لفترة طويلة.

أو أننا على موعد مع نظام قد يكون شكلياً بإيران، بحيث يتم إعادة ضبط سلوكه تدريجياً تحت ضغط اقتصادي.

في حين أن صمود إيران وعدم تفككها – مع سيطرة الحرس الثوري على عملية اتخاذ القرار بطهران، ومع مساندة ميليشيات وأذرع إيران بالمنطقة لها – قد يدفع نحو اتجاه إيران للتصعيد الإقليمي الشامل والعمل على استمرار الحرب، إدراكاً بأن إسرائيل وأمريكا لن تستطيعا الصمود في هذه الحرب لأمد طويل؛ نظراً لأن ترامب يخشى من أن هذه الحرب قد تؤثر على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، كما أن الوضع الداخلي لإسرائيل لا يمكنه تحمل مثل هذه الحرب المفتوحة.

ومن الأهمية بمكان بحث مدى التمسك برؤية ومشروع "الأمة الديمقراطية" التي تتيح التعايش مع الالتزام بكل موقف قانوني يحترم العدالة، واستبعاد كل صوت يرفض شيطنة الآخر، مما يمثل في النهاية لبنة في جدار الحماية المجتمعية ضد الانزلاق إلى الفوضى.

قد يهمك