حين تستيقظ آلاف العائلات على مياه تقتحم بيوتها، وتتحول الحقول التي انتظر أصحابها حصادها إلى مساحاتٍ مغمورة بالطين والمياه، ويجد المزارعون أنفسهم أمام موسم ضاع وجهد تبخّر وأرزاق جرفها الفيضان، فإن الحديث لا يعود عن كارثةٍ طبيعية فحسب، وإنما عن مسؤوليات سياسية وإدارية ثقيلة تستوجب المساءلة والمحاسبة.
ما شهدته محافظتا الرقة ودير الزور خلال الأيام الماضية يمثل واحدةً من أشد الكوارث التي ضربت المنطقة منذ سنوات. آلاف الهكتارات الزراعية غمرتها المياه، وعشرات القرى تعرضت لأضرارٍ جسيمة، وآلاف الأسر اضطرت إلى النزوح بحثاً عن الأمان، وسط مشاهداً موجعةً تختصر حجم المعاناة التي يعيشها سكان الجزيرة السورية.
مسؤولية ما قبل الطوفان
وتتحمّل السلطات التركية جانباً أساسياً من مسؤولية هذه المأساة، فبحسب ما أقرّ به مسؤولون سوريون، أقدمت أنقرة على فتح بوابات سد أتاتورك وعدد من السدود الأخرى المقامة على نهر الفرات بعد ارتفاع منسوب المياه فيها، من دون إخطار الجهات السوريّة المعنية مسبقاً، ومن دون منحها الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان والممتلكات والأراضي الزراعية.
وعندما اندفعت المياه بكميات هائلة قُدّرت بنحو ألفي متر مكعب في الثانية، وجد سكان الرقة ودير الزور أنفسهم في مواجهة طوفان مباغت اجتاح القرى والبلدات والحقول، مخلفاً وراءه مشاهداً موجعةً من الدمار والتشريد.
الإنذار الغائب والاستجابة المتأخرة
وفي المقابل، تبرز مسؤولية السلطة في دمشق، فالكوارث تفرض جاهزيةً دائمةً وخطط طوارئ واستنفاراً فورياً للأجهزة المعنية. وكان سكان المنطقة ينتظرون تحركات سريعة وتحذيرات واضحة وإجراءات وقائية تحدُّ من حجم الخسائر، وينتظرون وجود المسؤولين بينهم منذ اللحظات الأولى للكارثة، لأن المنكوبين يحتاجون إلى من يواجه الأزمة معهم على الأرض، لا إلى بياناتٍ متأخرة وتصريحات تلاحق الأحداث بعد وقوعها.
“تزامن مريب”.. الفيضان والاحتجاجات والقمح
وتزداد علامات الاستفهام مع التوقيت الذي وقعت فيه هذه الكارثة، فقد جاءت الفيضانات بالتزامن مع موجة غضب شعبي واسعة أعقبت إعلان تسعيرة القمح التي أثارت استياء المزارعين في مختلف مناطق الجزيرة السوريّة بعدما جاءت دون مستوى تكاليف الإنتاج، فعمَّ شعور واسع بالغبن والخسارة. خرجت التظاهرات، وارتفعت الهتافات الغاضبة، واتسعت دائرة الاحتجاجات بسرعةٍ غير مسبوقة، فامتلأت الساحات بشعاراتٍ تطالب بإقالة المحافظ والوزير، وأخرى تدعو إلى إسقاط الحكومة المؤقتة. ومع هذا التزامن، تتكاثر الأسئلة حول الملابسات والظروف المحيطة، وحول الحاجة إلى كشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام.
ماذا بعد الفيضان؟ تعويضات ومحاسبة أم تكرار للمأساة؟
إن أبناء الرقة ودير الزور يملكون الحق الكامل في المطالبة بتحقيق شفاف يكشف تفاصيل ما جرى، كما يملكون الحق في مطالبة الجانب التركي بالتعويض عن الأضرار، ويملكون الحق في مطالبة السلطات المعنية بتعويض المتضررين وإغاثة المنكوبين وتسخير جميع الإمكانات المتاحة لإعادة الحياة إلى المناطق التي ضربها الفيضان.
مياه تنحسر وأسئلة تفيض
قد تنحسر مياه الفرات عن الحقول والقرى بعد أيام أو أسابيع. لكن؛ الأسئلة التي خلّفها هذا الفيضان ستظل تتدفق في وجدان الناس زمناً طويلاً. فهذه الكارثة تكشف سلسلةً من الإخفاقات المتراكمة: في إدارة ملف المياه العابرة للحدود، وفي التنسيق والإنذار المبكر، وفي الاستعداد لمواجهة الأخطار التي تهدد حياة الأهالي ومصادر رزقهم.
وفي مراكز الإيواء، حيث تحولت المدارس والخيم إلى فضاءات انتظار ثقيل وآمال مؤجلة، تبقى آلاف العائلات تبحث عن إجابة واحدة: لماذا دفع الأهالي الثمن وحدهم؟
وفي لحظة يتقاطع فيها الألم مع الغضب، ينتصب حق الضحايا في مساءلة كل من ثبت تقصيره، أيّاً كان موقعه أو صفته، وفي مطالبة لا تقبل التأجيل بكشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وتعويض المتضررين تعويضاً يليق بحجم ما فقدوه.
وإذا كان للعدالة أن تقول كلمتها يوماً، فإن أي مسؤول – تركيّاً كان أو سوريّاً – أسهم تقصيره في هذه الكارثة وما خلفته من وفياتٍ وخسائر، لن يفلت من دائرة المساءلة التاريخية بلا حساب.
لكن حتى يحين ذلك اليوم، تبقى الحقيقة الأقسى إن الضحايا لا يملكون غير دموعهم وأصواتهم، ونحن لا نملك غير أن نكتب… لعلّ كلمة توثّق جريمة، أو تمنع روحاً من الغرق في الفيضان القادم.
------
نقلاً عن موقع صحيفة روناهي
منبر الرأي
منبر الرأي