أعكف منذ أيام على قراءة عميقة لثلاث من أهم النظريات العسكرية الغربية في القرن العشرين، وهي: نظرية العقيد الأمريكي جون واردن John Warden في كتابه “العدو كنظام”، ونظرية الجنرال الإيطالي جيليو دوهيه Giulio Douhet في كتابه “سيادة الجو”، ونظرية الجنرال البريطاني بازل هنري ليدل هارت Basil Henry Liddell Hart في كتابه “إستراتيجية الاقتراب غير المباشر”.
والحقيقة أنه كلما تعمقت في هذه الأدبيات الإستراتيجية الغربية، ازداد اقتناعي بأن فهم ما يجري في إيران لا يكتمل بالاستغراق في متابعة الأخبار اليومية التي تمثل الخبز اليومي لأي متابع لتطورات الحرب، وإنما يحتاج إلى قراءة الحرب بعين المنظرين الإستراتيجيين الذين رسموا أسس التفكير العسكري الغربي الحديث وفي القلب منها النظرية الأمريكية في الحرب، كما شرحها الكاتب الأمريكي “إيوجين جاريكي” Eugene Jarecki (1969 ـ الآن) في كتاب حمل عنوان “الطريقة الأمريكية في الحرب” نشره المركز القومي للترجمة بالقاهرة بترجمة الدكتور عبد المنعم عبيد عام 2014م.

أول هؤلاء الثلاثة هو الجنرال الإيطالي جيليو دوهيه (1869 ــ 1930م) من خلال كتابه The Command of the Air أو “سيادة الجو”، الذي انطلق من فرضية بسيطة لكنها شديدة التأثير، وهي أن السيطرة الكاملة على المجال الجوي تسمح بتحويل القوة الجوية من أداة إسناد للقوات البرية إلى أداة لحسم الحرب سياسيا ونفسيا؛ ولذلك كان يعتقد أن الضربات المركزة على مراكز الثقل الحيوية قد تكسر إرادة الدولة وتجبرها على تغيير سلوكها دون الحاجة إلى احتلال أراضيها، وهو تقريبا ما تقوم به أمريكا في الحالة الإيرانية إزاء حربي صيف 2025م، وشتاء 2026م.
ثم جاء بازل هنري ليدل هارت ليطرح رؤية مختلفة، مفادها أن الانتصار لا يتحقق دائما عبر المواجهة المباشرة، وإنما عبر “الاقتراب غير المباشر”، أي إنهاك الخصم سياسيا واقتصاديا ونفسيا، ودفعه تدريجيا إلى فقدان توازنه الإستراتيجي قبل الدخول في المواجهة الحاسمة.
ومن يراقب تطور أدوات الضغط على إيران خلال السنوات الأخيرة، من العقوبات الاقتصادية إلى الحرب السيبرانية والاغتيالات والعمليات الاستخباراتية، يدرك أن كثيرا من هذه الأدوات ينسجم مع هذا المنطق أكثر مما ينسجم مع فكرة الحرب التقليدية، وبالتالي تؤكد نظرية ليدل هارت أن العقل الأمريكي متشبع تماما بالحرب ذات التكلفة المنخفضة عن نظيرتها ذات الكلف العالية.
أما ثالث الثلاثة فهو العقيد ذائع الصيت جون واردن، الذي طور النظريتين السابقتين ونقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدا عندما تصور الدولة باعتبارها نظاما يتكون من خمس حلقات مترابطة، تتصدرها القيادة السياسية، ثم المنظومات الحيوية، والبنية التحتية، والسكان، وأخيرا القوات العسكرية.
ولقد انطلق واردن من فرضية أن إصابة الحلقة المركزية (أي القيادة في الحالة الإيرانية) قد تشل بقية الحلقات، وتجعل الدولة عاجزة عن مواصلة القتال حتى لو بقي جزء كبير من جيشها سليما، وهو ما نجح في تأطيره تماما إزاء تخطيطه لعملية عاصفة الصحراء عام 1991 ونجاحه في قيادة الفكر الأمريكي إزاء تحرير الكويت.
غير أن التجربة الإيرانية تكشف أن تطبيق هذه النظرية ليس بهذه البساطة، فبعد ثلاثة عشر يوما من الضربات الأمريكية المكثفة، وقبلها 37 يوما من سياسة قطع الرأس التي انتهجتها إدارة ترامب ونجاحها المطلق في الاغتيالات بدءا من 28 فبراير 2026 حتى 7 إبريل 2026م، وبالرغم من مقتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في الساعة الأولى من الحرب، ثم الخسائر الفادحة التي لحقت بالقيادات السياسية والعسكرية والمنشآت الحساسة في إيران، ليس ثمة مؤشرات قاطعة على انهيار بنية النظام أو فقدانه السيطرة على مؤسسات الدولة أو على علاقته بالمجتمع.
ولعل هذا ما يطرح سؤالا جوهريا حول حدود فاعلية إستراتيجية “قطع الرأس” عندما يتعلق الأمر بنظام شديد المركزية، لكنه في الوقت نفسه شديد التشابك المؤسسي مثل النظام الإيراني يتمتع بخصوصية تاريخية وجغرافية واجتماعية ليس لها نظيرا في كل دول العالم، حتى إذا كانت عملية قطع الرؤوس تلك تصنف على أنها أكبر عملية من نوعها في التاريخ العسكري ككل، وهو رأي ذهب إليه الدكتور جاكوب ستويل Jacob Stoil وهو أستاذ دراسات أمن الشرق الأوسط في معهد الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية الحرب بالجيش الأمريكي في مقالة له حملت عنوان Warden’s Five Rings and Regime Change in Iran (بالعربية: حلقات واردن الخمس وتغيير النظام في إيران) نشرها يوم 19 مارس 2026م.
ومن هنا بدأت تظهر داخل الأدبيات العسكرية الغربية قراءات ترى أن الحالة الإيرانية تختلف عن النماذج التي نجحت فيها عمليات استهداف القيادة، فالنظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد، وإنما على شبكة معقدة تضم بيت القيادة، والحرس الثوري، والباسيج، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات الدينية والقضائية والإدارية والتنظيمات الطليعية الشبابية وغيرها؛ ولذلك فإن تعويض القيادات قد يكون أسهل من تعويض البنية التنظيمية إذا بقيت هذه المؤسسات متماسكة.
في مثل هذا السياق، يذهب قطاع معتبر من الباحثين العسكريين الأمريكيين من بينهم جاكوب ستويل إلى أن أي محاولة لإحداث تغيير سياسي في إيران قد تتطلب قلب نموذج واردن نفسه، بحيث يصبح التركيز على إضعاف أدوات السيطرة الداخلية قبل استهداف رأس النظام، ووفقا لهذا التصور، فإن استنزاف الأجهزة الأمنية، أو التأثير في تماسكها المعنوي والمؤسسي، قد يكون أكثر حسما على المدى البعيد من الاقتصار على استهداف القيادات العليا فقط.
وإذا تم الجمع والتوفيق بين أفكار “دوهيه” و”ليدل هارت” و”واردن”، فسوف يلاحظ المرء أن ثمة خيطا ناظما بينها جميعا، يتمثل هذا الخيط في البحث عن وسائل تجعل الخصم (أي النظام الإيراني من المنظور الأمريكي) يفقد القدرة على الاستمرار دون الاضطرار إلى خوض حرب برية واسعة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن صانع القرار الأمريكي يطبق هذه النظريات بحذافيرها، لكنه يعني أن كثيرا من أدوات القوة المستخدمة اليوم يمكن قراءتها في ضوء هذه المدارس الفكرية التي لا تزال حاضرة بقوة في التعليم العسكري الغربي بل وفي الممارسة الميدانية التطبيقية تماما كما يحدث الآن في جنوبي إيران الذي كاد ينفصل تماما عن مراكز القيادة والسيطرة في طهران.
وهناك تخوفات حقيقية في إيران من اتجاه البلاد نحو نموذج البلقنة على غرار ما تم في تجربة الاتحاد اليوغوسلافي، تماما كما أشار إلى ذلك الكاتب والباحث الإيراني رضا رحمتي في مقالة له بافتتاحية صحيفة “وطن امروز” الأصولية (بالعربية: الوطن اليوم) بعنوان “پروژه فلجسازی ایران فراتر از حمله نظامی.. نسخه یوگسلاوی برای ایران؟” (بالعربية: مشروع شل إيران يتجاوز الهجوم العسكري.. هل هو نسخة يوغوسلافيا لإيران؟) منشور يوم ۳۱ تير ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق الأربعاء 22 يوليو 2026م.
بناء على ما تقدم أعتقد أن مستقبل النظام الإيراني لن يتحدد فقط بعدد الصواريخ الأمريكية أو الطائرات التي ستستخدم في الأيام المقبلة، وإنما بمدى قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستمرار ولاء أجهزتها الأمنية، واحتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المتراكمة.
وهو بالمناسبة أمر انتبه له الإيرانيون أيما انتباه ويمكن قراءته من خلال مقالة دالة جدا نشرها الباحث الإيراني مهدی نجفپور في صحيفة “آگاه” (بالعربية: الواعي)، يوم ۱ مرداد ۱۴۰۵ هــ. ش. الموافق الخميس 23 يوليو 2026م، وحملت المقالة عنوان “هندسه پایداری قدرت در عصر جنگ ترکیبی.. نیروی درونی برای حفظ حرکت در مسیر” (بالعربية: هندسة استدامة القوة في عصر الحرب الهجينة.. القوة الداخلية للحفاظ على الزخم في المسار).
غير أن التاريخ يعلمنا أنه إذا كانت هناك ثمة حاجة إلى التعلم من دروس التاريخ فإن بعض الدول سقطت بعد هزائم عسكرية محدودة، بينما صمدت دول أخرى رغم تعرضها لتدمير هائل؛ لأن الفارق الحقيقي كان في قوة المؤسسات لا في حجم النيران، وكان في تلاحم المجتمع مع نظام دولته وليس في إفقاده الأمل في النصر أو الأمل في البقاء على قيد الحياة.
وبعد كل ما سبق، يمكن القول إن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، وإنما ميدان اختبار حي لثلاث من أهم النظريات الإستراتيجية الغربية في العصر الحديث، والسؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على مواصلة الضربات، وإنما ما إذا كانت هذه الضربات ستنجح في تحويل التفوق العسكري إلى قوة تحويلية سياسية داخل بنية النظام الإيراني.
وحتى الآن، تبدو الإجابة أكثر تعقيدا مما يتصوره أنصار الحسم العسكري السريع أو حتى أنصار صمود النظام الإيراني إلى ما لا نهاية؛ لأن إسقاط الأنظمة أو قدرتها على البقاء لا يخضع دائما لمنطق القوة، وإنما لمنطق تفاعل القوة مع بنية الدولة والمجتمع والمؤسسات.
منبر الرأي
منبر الرأي
منبر الرأي