إذا لم تتم السيطرة على الحروب المتصاعدة في الشرق الأوسط، سواء بين إيران والولايات المتحدة من ناحية، وإسرائيل وحزب الله من ناحية أخرى، وحماس وتل أبيب من ناحية ثالثة، وإذا لم يتم التوصل إلى عملية سلام بين الكرد وتركيا، فقد يؤدي ذلك إلى تنامي حركات المقاومة وعولمة الجهاد، نظرًا لإمكانية وقوع المنطقة في دائرة الفراغ الأمني، الذي يُعد بيئة خصبة لتمدد المقاومة والجهاد الديني، خاصة مع استغلال تكنولوجيا التواصل الإلكتروني.
ورغم تباين الأيديولوجية الدينية مع الأيديولوجية الأوجلانية أو الكونفيدرالية الديمقراطية، التي ترفض نموذج الدولة القومية المركزية باعتبارها أداة للقمع والصهر الثقافي، فإن الأولى تسعى إلى تحقيق مفهوم الأمة بخلفية دينية، بينما تريد الثانية أمة تستند إلى القومية والجغرافيا، بما يجمع شتات شعب عانى من الإنكار السياسي. ومع ذلك، فإنهما تتفقان على رفض الحدود الاستعمارية المصطنعة التي استهدفت تجزئة الشعوب، تطبيقًا لسياسة «فرّق تسد».
وإذا كانت العولمة التكنولوجية قد وفرت ومهدت الطريق أمام الأفكار المتطرفة للانتشار، واستدعاء مفهوم الأمة الواحدة لتوظيف قضايا وصراعات مختلفة، ومنها القضية الفلسطينية، فقد اعتمدت في طريقة عملها على أدوات الانتشار والتواصل الإلكتروني السريع دون الحاجة إلى قيود الحدود الجغرافية، خاصة في تسهيل عمليات الاستقطاب والتجنيد الفردي، وتبادل الخبرات العسكرية والعملياتية.
وأتصور أن سياسات الدول الكبرى وتنافسها الجيوسياسي لعبا دورًا محوريًا في عولمة الجهاد، وتحويله من حركات محدودة النطاق إلى شبكات عابرة للحدود القارية، وتأجيج الصراعات في مناطق جغرافية مختلفة. ومن بين أهداف ذلك استغلال الدول المصدرة للسلاح مخاوف الدول النامية والإقليمية من خطر جماعات الجهاد المعولمة العابرة للحدود، لإبرام صفقات تسليح هائلة وطويلة الأمد، بما يضمن تدفقات مالية ضخمة إلى خزائن الدول الكبرى.
وقد أدت السياسات والتدخلات الغربية المترددة في بؤر النزاع، في كل من سوريا وليبيا، إلى انهيار مؤسسات الدولة، مما أسفر عن خلق فراغات أمنية شاسعة استغلتها التنظيمات المعولمة لبناء قواعد تدريب وتجنيد عابرة للقارات.
كما تستخدم القوى الكبرى والإقليمية، أحيانًا، التنظيمات المسلحة كوكلاء لها لتصفية الحسابات السياسية، بحيث يتم التغاضي أحيانًا عن تمدد بعض التنظيمات أو تدفق المقاتلين إليها، طالما أن بندقيتها موجهة نحو خصم مشترك. وقد حدث ذلك، بحسب الرؤية المطروحة، في بدايات الأزمة السورية، من خلال تسهيل تدفق المقاتلين الأجانب لإضعاف النظام وحلفائه الروس والإيرانيين. غير أن هذا التوظيف التكتيكي قد ينقلب إلى مواجهة صفرية عندما تستشعر هذه التنظيمات قوتها وتبدأ بمهاجمة رعاتها أو القوى الدولية ذاتها.
ولا يمكن إغفال أن الإعلام الرقمي أسهم في تمكين التنظيمات الإرهابية من تجاوز الحدود وإيصال رسائلها مباشرة إلى الجمهور المستهدف في الغرب والشرق على حد سواء، فظهر ما يُعرف بـ«الجهاد الإلكتروني» أو «الذئاب المنفردة».
ووجد بعض الشباب، خاصة المسلمين المهاجرين في المجتمعات الغربية، الذين يعانون من التهميش أو أزمات الهوية، في الفضاء العالمي العابر للحدود ملاذًا يشعرهم بالانتماء إلى قضية أكبر.
وأجمع عدد من خبراء العلوم السياسية على أن إسقاط الدولة العراقية وحل الجيش العراقي من قبل الولايات المتحدة كانا من أكبر محفزات عولمة الجهاد في القرن الحادي والعشرين، إذ حوّل هذا الغزو العراق إلى ساحة جذب عالمية للمقاتلين، ووفر للجيل الثاني من الجهاديين، أمثال الزرقاوي، الذي تحول تنظيمه لاحقًا إلى «داعش»، بيئة خصبة لربط الصراع المحلي بالصراع ضد الهيمنة الغربية.
ولا شك في أن الأيديولوجيا الدينية لا تزال موجودة كجمر تحت الرماد، لكن سياسات القوى الكبرى وقراراتها الجيوسياسية، مثل تمويل الحروب بالوكالة، وغزو الدول، وتدمير النسيج المجتمعي لبعض المناطق، كانت بمثابة الوقود والأكسجين اللذين سمحا لهذا الجمر بالاشتعال والتحول إلى حريق عالمي عابر للحدود.
وأعتقد أن نجاح العالم في التوصل إلى حلول سلمية وديمقراطية، وإحلال السلام والمجتمع الديمقراطي لإنهاء النزاعات الإقليمية، سواء في سوريا أو فلسطين أو ليبيا أو اليمن، من شأنه أن يسهم في سحب الأوراق الدعائية التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية لحشد الأنصار، والحد من استفادتها من الفراغات الأمنية وانهيار الدول.
كما أننا بحاجة إلى استعادة هيبة الدولة الوطنية ودورها، من خلال الحرص على دعم وتماسك المؤسسات الوطنية في المناطق الهشة، لضمان غياب المناطق الرمادية أو البؤر الخارجة عن القانون.
منبر الرأي
منبر الرأي