في هذا اليوم، 15 فبراير 1999، تم اعتقال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في كينيا خلال عملية مشتركة بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والاستخبارات التركية، ونُقل بعدها إلى تركيا للمحاكمة بطائرة خاصة.
كيف أُعتقل عبد الله أوجلان؟
ولد أوجلان في الرابع من أبريل 1948 في منطقة أورفة بجنوب شرق تركيا، ودرس العلوم السياسية في جامعة أنقرة لكنه لم يُكمل دراسته وعاد إلى مدينة ديار بكر، حيث تأثر بالقومية الكردية وبدأ نشاطه الدعوي في هذا المجال.
في عام 1978، أسس حزب العمال الكردستاني (PKK) واستمر قائداً له، وبدأ الحزب في عام 1984 عمليات عسكرية في تركيا والعراق وإيران بهدف إنشاء وطن قومي للكرد
وفي عام 1998، كان أوجلان متواجداً في سوريا، ومع تدهور العلاقات السورية-التركية، ضغطت تركيا على دمشق بشأن دعمها لحزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى إجبار الحكومة السورية أوجلان على مغادرة البلاد دون تسليمه للسلطات التركية، بعد ذلك، توجه إلى روسيا وعدة دول منها إيطاليا واليونان، حيث طالبت تركيا بتسليمه.
وضع أوجلان في الحجز الانفرادي بجزيرة إمرالي في بحر مرمرة، وحُكم عليه بالإعدام في البداية، إلا أن الحكم حُوّل إلى السجن مدى الحياة بعد إلغاء تركيا لعقوبة الإعدام بشكل مشروط في أغسطس 2002.
وتبقى هذه العملية واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيداً في تاريخ الصراع الكردي التركي، وترك أثرها السياسي والأمني حتى اليوم، خاصة في ظل استمرار النزاع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، وتأثيرها على الحوار السياسي والحقوق الثقافية للأكراد في تركيا.
سجن إيمرالي: من أداة الإقصاء إلى منبر الفكر
يصف القائد الكردي عبد الله أوجلان اعتقاله بأنه لم يكن حصريًا تحت سيطرة تركيا، بل أسيرًا لمنظومة دولية واسعة، مشيرًا إلى أن المسار الذي بدأ من سوريا وانتهى في سجن إيمرالي شكّل، بحسب رأيه، واحدة من أكبر عمليات الناتو في التاريخ وبداية مرحلة جديدة من الصراعات العالمية.
يُعدّ نظام سجن إيمرالي فريدًا قائمًا على العزل الفردي داخل جزيرة تركية، وقد نُقل إليه أوجلان في محاولة لتصفية القضية الكردية عبر استهداف شخصه. لكن أوجلان، من خلال مقاومة استمرت 27 عامًا، حوّل السجن من أداة لإقصائه إلى منصة لعرض رؤاه حول القضية الكردية، والديمقراطية في تركيا، وحقوق الشعوب.
ويؤكد أوجلان أنه نُقل إلى إيمرالي بهدفين محتملين: التخلي عن قضيته أو إنهاء حياته، لكنه اختار طريقًا ثالثًا، هو المقاومة الفكرية والسياسية في ظل أقسى الظروف، ورغم اعتقاد الدولة التركية أن عزله سيضعف تأثيره وينهي حركة التحرر الكردية، واصل أوجلان نشاطه الفكري، وطرح مفهوم “الحداثة الديمقراطية”، مقدّمًا رؤية بديلة لتنظيم المجتمع، لقيت اهتمام الباحثين والمفكرين في مجالات الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والفكر السياسي.
مسار السلام والمجتمع الديمقراطي
منذ عام 1993، واصل أوجلان دعواته للسلام، مقدمًا مبادرات لوقف إطلاق النار والانخراط في مفاوضات مع الدولة التركية، وكان آخر هذه المبادرات نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي نُشر في 27 فبراير 2025، وما تزال الجهود مستمرة لإنجاح هذا المسار.
وفي سياق المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، حيث تقرر إنهاء النشاطات التي تُنفذ باسم الحزب، يرى أوجلان أن الحزب كان له دور أساسي في تثبيت وجود الشعب الكردي وقضيته، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على بناء مجتمع حر قائم على الكومينالية والأخلاق والسياسة الديمقراطية.
ويشير أوجلان إلى أن مرحلة الكفاح المسلح انتهت، وأن المرحلة الجديدة هي النضال الديمقراطي وتنظيم المجتمع، وبالنسبة إلى تركيا، يرى أن المئوية الثانية للجمهورية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الديمقراطية، وأن أي تقدم أو استقرار دائم يستلزم مسارًا ديمقراطيًا حقيقيًا.
وبذلك، فشل المخطط الذي استهدف إخضاع الشعب الكردي عبر استهداف قائده، إذ لم يتخلَ أوجلان عن قضيته، بل واصل نشاطه الفكري والسياسي من داخل السجن، مقدمًا رؤى جديدة تدعو إلى السلام والتعايش المشترك بين الشعوب.