بث تجريبي

دبلوماسية الجليد.. كيف كبح الناتو طموحات ترامب في جرينلاند؟

في تحرك دبلوماسي محسوب، يسعى حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى تعزيز حضوره في القطب الشمالي، في خطوة لا ترتبط فقط بردع روسيا كما يُعلن رسميًا، بل تهدف أيضًا إلى احتواء طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك.

وكشفت تحقيقات صحفية استندت إلى مقابلات مع 13 دبلوماسيًا ومسؤولًا بالحلف وخبراء عسكريين، أن المبادرة الجديدة تمثل في جوهرها إعادة تنظيم وتسويق لأنشطة قائمة بالفعل، في محاولة لامتصاص غضب البيت الأبيض وتفادي تصعيد داخل الحلف.

مهمة سياسية بغطاء عسكري

أطلق الناتو مهمة جديدة تحت اسم "Arctic Sentry" (حارس القطب الشمالي)، وقدمها الأمين العام للحلف مارك روته باعتبارها ضرورة لمواجهة تصاعد النشاط العسكري الروسي والاهتمام الصيني المتزايد بالمنطقة، غير أن دبلوماسيين أقروا بأن التهديدات المطروحة ذات طابع افتراضي أكثر من كونها وشيكة، وأن للمبادرة أبعادًا رمزية وإعلامية واضحة.

وجاء التحرك بعد تصريحات ترامب في يناير الماضي التي لمّح فيها إلى إمكانية استخدام القوة لضم جرينلاند، الجزيرة الغنية بالموارد والمتمتعة بموقع استراتيجي حساس، هذه التصريحات دفعت دولًا أوروبية إلى تعزيز قناعتها بأن واشنطن أصبحت حليفًا يصعب التنبؤ بمواقفه على المدى الطويل.

شكوك حول الحاجة العسكرية

عدد من الخبراء شككوا في جدوى تعزيز الانتشار العسكري في جرينلاند، فقد أعرب كارستن فريس، الباحث في الشؤون القطبية بالمعهد النرويجي للشؤون الدولية، عن أمله في أن تقتصر الخطوة على إعادة تسمية أنشطة جارية، محذرًا من أن نشر قوات كبيرة سيكون مكلفًا للغاية.

من جانبه، رأى ماثيو هيكي، المسؤول السابق في مركز تيد ستيفنز لدراسات الأمن القطبي، أن الناتو لا يعاني من نقص في القدرات بالمنطقة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تستطيع نشر آلاف الجنود من ألاسكا إلى جرينلاند خلال فترة تتراوح بين 12 و24 ساعة فقط.

التهديد الروسي... بين الواقع والمبالغة

رغم التحذيرات الأمريكية من تنامي القدرات الروسية في القطب الشمالي، بما في ذلك كاسحات الجليد والصواريخ الفرط صوتية، يرى خبراء أن طبيعة التهديد لم تتغير كثيرًا منذ الحرب الباردة. فالطرق البحرية المحتملة بسبب ذوبان الجليد تظل محدودة التأثير، كما أن كاسحات الجليد ذات استخدامات عسكرية ضيقة ويسهل تتبعها.

أما التعاون الروسي–الصيني في المنطقة، فيُنظر إليه على أنه رمزي إلى حد بعيد، في ظل حذر موسكو من طموحات بكين طويلة الأمد في القطب الشمالي.

وفي المقابل، يتمتع الناتو بتفوق واضح في المنطقة، خاصة بعد انضمام السويد وفنلندا، إلى جانب تعزيز النرويج وألمانيا والدنمارك وبريطانيا قدراتها عبر شراء طائرات دورية بحرية متطورة، كما أن روسيا تكبدت خسائر كبيرة في قواتها المتمركزة شمالًا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

تهدئة داخلية للحفاظ على تماسك الحلف

في نهاية المطاف، تراجع ترامب عن تصعيده بشأن جرينلاند بعد تعهد قيادة الناتو بإعطاء ملف الأمن القطبي أولوية أكبر. ومن المقرر أن تبدأ مهمة "Arctic Sentry" بضم تدريبات قائمة تحت مظلة القيادة المشتركة للحلف في فيرجينيا، مع إمكانية توسيعها مستقبلًا لتشمل دوريات جوية وبحرية أو إنشاء قيادة دائمة في المنطقة.

ويختصر أحد دبلوماسيي الحلف الموقف بقوله إن الخطوة قد لا تكون الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة، لكن البديل قد يكون تعريض تماسك الناتو للخطر، معتبرًا أن كلفة إرسال عدد محدود من السفن والجنود تبقى أقل من ثمن اهتزاز وحدة الحلف.

قد يهمك