لم يكن التحول الجذري الذي شهده معرض دمشق الدولي للكتاب في نسخته لعام 2026 مجرد هفوة تنظيمية أو صدفة عابرة، بل هو في الواقع النتاج الطبيعي والمنطقي لطبيعة السلطة القائمة اليوم في دمشق.
إن هيمنة التيارات المتطرفة وعناصر جماعة الإخوان على مفاصل هذا الحدث الثقافي العريق تأتي كترجمة ميدانية لحكومة يقودها أحمد الشرع، هذا الرجل الذي، مهما حاول تجميل خطابه السياسي وتسويق نفسه كبديل مقبول، تظل جذوره الضاربة في "جبهة النصرة" وفكر تنظيم "القاعدة" هي المحرك الأساسي لسياسات نظامه، وهي الأيديولوجيا التي بدأت تفرض سطوتها على الفضاء العام السوري.

خطاب ديني أحادي
لقد تحول المعرض من فضاء ثقافي جامع إلى منصة لتكريس خطاب ديني أحادي، حيث سجلت أكثر من 100 دار نشر ومكتبة سلفية حضوراً طاغياً، امتلأت معه الأجنحة بكتب العقيدة المسندة ومؤلفات ابن تيمية وكتب أئمة الدعوة السلفية.
هذا الغزو الفكري يعكس رغبة حكومة الشرع، بما تضم بين جنباتها من عناصر متطرفة، في إعادة صياغة الهوية السورية وفق رؤية إقصائية وتكفيرية، تزيح التنوع الفكري الذي لطالما ميز دمشق لصالح "النقاء العقدي" المزعوم.

تطبيع حضور الإرهاب
ولعل المؤشر الأكثر خطورة على هذا الانحدار هو تطبيع حضور رموز الإرهاب العالمي داخل فعالية رسمية، حيث لم يجد القائمون على المعرض غضاضة في عرض مذكرات "أبو حفص" الموريتاني، المفتي السابق لتنظيم القاعدة.
إن وصول هذه المؤلفات إلى أيدي القراء السوريين تحت رعاية رسمية يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة المحتوى الذي تتبناه الحكومة، وما إذا كانت تسعى فعلياً لشرعنة الفكر المتطرف عبر البوابة الثقافية.
ويتجلى هذا التخبط الأيديولوجي في التدخلات الخارجية التي كشفت هشاشة الرقابة السورية أمام الفكر التحريضي؛ إذ لم تتحرك السلطات لمنع كتاب "هل أتاك حديث الرافضة" المنسوب لأبي مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة سابقاً في العراق، إلا بعد تدخل المخابرات العراقية.
وهذا الكتاب الذي يحمل محتوى تكفيرياً صريحاً ضد طوائف بعينها، يثبت أن بيئة "حكومة الشرع" باتت حاضنة طبيعية لمثل هذه السموم، وأن المنع لم يكن نابعاً من إيمان بقيم العيش المشترك، بل استجابة لضغوط سياسية فقط.

ماهر فرغلي
كتب الإخوان حاضرة
كما أن إقحام كتب جماعة الإخوان والمنشورات السلفية الجهادية في قلب العاصمة السورية هو طعنة في خاصرة التعددية وحرية التعبير. فالمعرض اليوم لم يعد مرآة للمثقف السوري الحر، بل أصبح مرآة لأحمد الشرع وحكومته التي تحاول "أخونة" و"سلفنة" المجتمع السوري في العمق، مهددة بذلك ما تبقى من قيم التسامح والمدنية.
في هذا السياق، يقول ماهر فرغلي الخبير السياسي المصري المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، لموقع "المبادرة"، إن وجود مثل هذه الكتب طبيعي، لأن سوريا حالياً ليست دولة، ونحن أمام مليشيا تحكم أو تنظيم يحكم.
وأضاف أنه من الطبيعي أن نرى كتب الدواعش والقاعدة والإخوان وغيرها من التنظيمات السنية المتطرفة، لأن الأراضي السورية الآن محطة لكل تيارات التطرف والتشدد، وهذه الكتب تعبر عن إيديولوجياتهم وأفكارهم، كما أنه لا يوجد دولة بالمعنى الحقيقي في الوقت الحالي لتتصدى لهذا النوع من الكتاب.