بث تجريبي

إرث كيسنجر يعود إلى الواجهة.. تشابه في الرؤى بين ترامب وبوتين بشأن حرب أوكرانيا

تتقاطع مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحرب الروسية الأوكرانية مع رؤى طرحها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر عام 2017، بشأن مسؤولية الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» عن تصاعد التوتر مع موسكو، ودور المصالح الأمنية الروسية في تفسير سياسات الرئيس فلاديمير بوتين.

وأعاد هذا التقاطع تسليط الضوء على أوجه التشابه بين مقاربة كيسنجر للعلاقات مع روسيا ونهج ترامب، خصوصًا فيما يتعلق بتفسير جذور الصراع، وتحديد المسؤولية عن اندلاعه، ومستقبل أوكرانيا وحقها في اختيار تحالفاتها الدولية، وفقًا لمقال نشرته صحيفة «التليجراف» البريطانية، استند إلى رواية دبلوماسي بريطاني سابق عن لقاء جمع كيسنجر بوزير الخارجية البريطاني آنذاك بوريس جونسون في نيويورك.

كيسنجر وتفسير مسؤولية بوتين

في مارس 2017، التقى كيسنجر، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 93 عامًا، بوريس جونسون في نيويورك، في وقت كانت فيه روسيا تخوض صراعًا مع أوكرانيا منذ عام 2014، عقب ضم شبه جزيرة القرم والسيطرة على مناطق في إقليم دونباس.

وبحسب الرواية التي تناولها المقال، كان الصراع قد أسفر حينها عن مقتل نحو 10 آلاف أوكراني، فضلًا عن نزوح 1.6 مليون شخص من منازلهم.

وخلال اللقاء، وصف كيسنجر بوتين بأنه شخصية تشبه أبطال روايات الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، وتسعى إلى الحفاظ على تصورها الخاص لكرامة بلادها. كما أشار إلى أنه يشعر بقلق أكبر إزاء احتمال تفكك روسيا مقارنة بانتصارها.

وألقى كيسنجر جانبًا من المسؤولية عن الأزمة على إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، منتقدًا طريقة تعاملها مع بوتين، ومعتبرًا أن المسؤولين الأمريكيين تعاملوا معه بتعالٍ ولم يحافظوا على قنوات اتصال مناسبة مع موسكو.

ويرى كاتب المقال أن هذا الطرح يتقاطع مع مواقف ترامب، الذي وجّه انتقادات إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وسلفه جو بايدن، والدول الأوروبية، في سياق تعامله مع الحرب، بدلًا من تحميل بوتين المسؤولية الأساسية عن اندلاعها واستمرارها.

علاقة خاصة بين واشنطن وموسكو

لم تقتصر رؤية كيسنجر على تفسير أسباب الصراع، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع الولايات المتحدة بروسيا. فقد رأى أن بوتين يسعى إلى إقامة «علاقة خاصة» مع واشنطن، ولم يبدِ معارضة لهذا التوجه، رغم تشكيكه في إمكانية تحقيقه بسبب وجود تيارات أمريكية ترفض التقارب مع موسكو.

واستعاد كيسنجر، خلال اللقاء، محادثة سابقة مع بوتين بشأن سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار النفوذ السوفيتي في أوروبا الشرقية. وقال إنه سأل الرئيس الروسي عن سبب عدم سعي الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف إلى التفاوض بشأن الانسحاب من أوروبا الشرقية بدلًا من التخلي عن مناطق النفوذ السوفيتي دون مقابل.

وبحسب المقال، أبدى بوتين إعجابه بهذا الطرح، الذي يعكس تصورًا للعلاقات الدولية يقوم على التفاوض بين القوى الكبرى بشأن مناطق النفوذ والمصالح الاستراتيجية.

ويشير هذا التصور إلى أولوية التفاهمات بين القوى الكبرى في إدارة الأزمات الدولية، لكنه يثير تساؤلات بشأن حدود هذه التفاهمات عندما تتعلق بمصالح دول مستقلة وحقها في اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن ضغوط القوى الأكبر.

ويرى الكاتب أن هذا المنظور يتوافق مع مقاربة بوتين للأمن الروسي، التي تمنح موسكو أهمية كبيرة لنفوذها في الدول المجاورة، بما فيها أوكرانيا، وتدفعها إلى الاعتراض على خيارات كييف الاستراتيجية عندما تتعارض مع المصالح الروسية.

توسع الناتو ومستقبل أوكرانيا

حمّل كيسنجر توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا جانبًا من المسؤولية عن الأزمة مع روسيا، معتبرًا أن انضمام دول أوروبية كانت ضمن دائرة النفوذ السوفيتي إلى الحلف أسهم في تصاعد التوترات مع موسكو.

ووفقًا لما أورده المقال، رأى كيسنجر أن تمدد الناتو إلى مناطق اعتبرها مرتبطة تاريخيًا واستراتيجيًا بروسيا أسهم في خلق الأزمة، كما أشار إلى أن موسكو لا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها دولة منفصلة عنها بالمعنى نفسه الذي تنظر به إلى بقية الدول.

ومع ذلك، أقر كيسنجر بحق أوكرانيا في إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع الغرب، لكنه عارض انضمامها إلى تحالف عسكري غربي، في موقف يعكس اعتقاده بضرورة مراعاة المخاوف الأمنية الروسية عند تحديد مستقبل كييف.

ويرى كاتب المقال أن هذا الموقف يضع استقلال القرار الأوكراني أمام تحدٍ جوهري، إذ يمنح روسيا، بصورة غير مباشرة، دورًا في تحديد التحالفات التي يمكن لأوكرانيا الانضمام إليها، رغم أنها دولة ذات سيادة.

وتبرز هنا إحدى أبرز نقاط الخلاف في التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية: فبينما تركز موسكو على مخاوفها الأمنية وموقعها الاستراتيجي، تتمسك كييف بحقها في تقرير مستقبلها السياسي والعسكري، بما في ذلك اختيار التحالفات التي تراها مناسبة لحماية أمنها.

من إرث كيسنجر إلى نهج ترامب

يخلص المقال إلى أن الأفكار التي طرحها كيسنجر عام 2017 تتشابه مع ما يراه الكاتب أساسًا لنهج ترامب تجاه الحرب، خصوصًا التركيز على المخاوف الأمنية الروسية، وانتقاد السياسات الغربية، والسعي إلى التوصل إلى تسوية مباشرة بين واشنطن وموسكو.

ويحذر الكاتب من أن هذا النهج قد يفضي إلى تفاهمات بين القوى الكبرى على حساب أوكرانيا، إذا أصبح مستقبلها موضوعًا للتفاوض بين واشنطن والكرملين، بدلًا من أن يكون قرارًا نابعًا من إرادتها السياسية المستقلة.

ويستند المقال في هذه المقارنة إلى المكانة الفكرية والسياسية التي تمتع بها كيسنجر، باعتباره أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية الأمريكية، وإلى تأثير أفكاره بشأن توازن القوى والتفاوض مع الخصوم في النقاشات المتعلقة بإدارة الأزمات الدولية.

لكن المقارنة بين مواقف كيسنجر السابقة ونهج ترامب لا تعني تطابقهما الكامل، إذ شهدت مواقف الوزير الأمريكي الأسبق تطورات لاحقة عكست تغير تقديراته لمستقبل أوكرانيا وعلاقتها بالغرب.

تحولات في موقف كيسنجر

على الرغم من مواقفه السابقة بشأن توسع الناتو والمخاوف الأمنية الروسية، أدان كيسنجر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، الذي وصفته موسكو بأنه «عملية عسكرية خاصة».

كما غيّر موقفه بشأن عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، وأعلن لاحقًا أنه ينبغي السماح لها بالانضمام إلى الحلف، في تحول يعكس إعادة تقييمه للترتيبات الأمنية الأوروبية في ضوء تطورات الحرب.

وتكشف هذه التحولات أن رؤية كيسنجر لم تكن ثابتة بصورة مطلقة، بل تأثرت بتغير الوقائع الميدانية والسياسية، وهو ما يحد من إمكانية اختزال إرثه في المواقف التي عبّر عنها خلال لقاء عام 2017.

ومع ذلك، يرى كاتب المقال أن تلك المواقف المبكرة أسهمت في ترسيخ مقاربة تمنح الأولوية للتفاهم مع موسكو ومراعاة مصالحها الاستراتيجية، وهي مقاربة قد تفتح المجال أمام تسويات تتضمن تنازلات أوكرانية بشأن الأراضي أو خياراتها الأمنية.

وفي المحصلة، تعيد المقارنة بين كيسنجر وترامب طرح سؤال أساسي بشأن مستقبل النظام الدولي: هل يمكن تحقيق الاستقرار عبر تفاهمات بين القوى الكبرى تراعي توازنات القوة ومخاوف الدول، أم أن مثل هذه التفاهمات قد تتحول إلى وسيلة لتقييد سيادة الدول الأصغر وحقها في تقرير مصيرها؟

قد يهمك