قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال قمع الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022 عقب مقتل الشابة جينا أميني، مطالبة بالتحقيق مع المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم.
جاء ذلك في تقرير جديد للمنظمة يتجاوز ألف صفحة، حمل عنوان «مهندسو القمع: الجهاز الحكومي الذي ارتكب جرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة جين، جيان، آزادي في إيران عام 2022»، ويتناول بالتفصيل آليات القمع التي استخدمتها السلطات الإيرانية ضد المحتجين.
وأوضحت المنظمة أن إعداد التقرير استغرق أربع سنوات، وشمل مقابلات مع 270 شخصًا، بينهم محتجون وسجناء سابقون وأقارب أشخاص قُتلوا أو اعتُقلوا، إلى جانب شهود عيان ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين وعاملين في المجال الطبي.
كما حللت أكثر من ألفي تسجيل مصور، إضافة إلى بيانات رسمية ووثائق حكومية مسربة وأوامر صادرة عن النيابات وأحكام قضائية وسجلات للطب الشرعي.
ووثق التقرير، بحسب المنظمة، عمليات قتل وتعذيب واختفاء قسري واعتقال واغتصاب واضطهاد على أسس سياسية وجندرية وعرقية ودينية، خلال حملة السلطات لقمع الاحتجاجات.
وقالت منظمة العفو الدولية إنها حددت 87 مسؤولًا إيرانيًا ينبغي، وفق نتائج تحقيقاتها، إخضاعهم للتحقيق والملاحقة القضائية على خلفية جرائم ضد الإنسانية مرتبطة بقمع الاحتجاجات.
وأشارت إلى أن تحقيقاتها كشفت وجود تسلسل قيادي مسؤول عن تنفيذ سياسة الدولة المتعلقة باستخدام القوة المميتة ضد المحتجين، موضحة أن الحرس الثوري الإيراني وقيادة شرطة الجمهورية الإسلامية الإيرانية شاركا في تنفيذ سياسة أمنية جرى وضعها عبر المجلس الأعلى للأمن القومي ومجالس الأمن الحكومية ومجالس الأمن على مستوى المحافظات والمناطق.
وبحسب التقرير، تضم قائمة المسؤولين الـ87 نحو 33 مسؤولًا من الحرس الثوري و27 من قيادة الشرطة، إلى جانب 25 مسؤولًا بوزارة الداخلية، من بينهم قادة أمنيون وحكام ومسؤولون على المستويات الإقليمية والمحلية.
وأضافت المنظمة أن القائمة تضم أيضًا عشرة مسؤولين كبارًا و77 مسؤولًا على المستويات الإقليمية والمحلية، ممن ارتبطت مسؤولياتهم بمناطق شهدت احتجاجات في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.
وقالت إن قوات الأمن استخدمت بنادق هجومية ومسدسات وبنادق محملة بكرات معدنية في إطلاق النار على المحتجين، كما لاحقت أشخاصًا حاولوا الفرار ومدنيين لم يشكلوا تهديدًا للقوات أو لغيرهم، وأطلقت النار عليهم من مسافات قريبة.
وكشفت المنظمة، استنادًا إلى وثائق رسمية مسربة، عن وجود سياسة منظمة لقمع الاحتجاجات شملت اجتماعات لتحديد الاستراتيجية وأوامر ملزمة وخططًا للانتشار وتخصيص الأموال والأسلحة.
وأشارت إلى أن بعض الوثائق تضمنت تعليمات بتقديم رد «حازم وقوي»، فيما تضمن أحد الأوامر المسربة توجيهًا للقوات بالرد «بلا رحمة»، حتى إذا أدى ذلك إلى سقوط قتلى.
ووثقت منظمة العفو الدولية مقتل 377 محتجًا خلال الاحتجاجات على أيدي قوات تابعة للسلطات، وفق ما ورد في التقرير.
وأضافت أن أشخاصًا آخرين لقوا حتفهم أثناء احتجازهم أو بعد الإفراج عنهم، أو في ظروف أخرى أثارت، بحسب المنظمة، شبهات بشأن مسؤولية الدولة عن وفاتهم.
وقالت إن السلطات الإيرانية أقرت رسميًا بـ202 حالة وفاة فقط، بينما نسبت معظم الوفيات التي اعترفت بها إلى جهات غير حكومية أو إلى من وصفتهم بـ«المتمردين» و«الإرهابيين المسلحين»، رغم ما قالت المنظمة إنه وجود أدلة واسعة على تورط قوات الدولة.
وأشار التقرير إلى أن كبار المسؤولين الإيرانيين لم يتخذوا إجراءات لوقف الانتهاكات مع تزايد الأدلة، بل واصلوا الإشادة بقوات الأمن وأصدروا توجيهات باستمرار العمليات.
استهداف الكرد والبلوش
وقالت منظمة العفو الدولية إن الكرد والبلوش تعرضوا لاستخدام غير متناسب للقوة خلال قمع الاحتجاجات، معتبرة أن السلطات الإيرانية استهدفت المجموعتين وأخضعتهما لما وصفته بالاضطهاد الذي يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
ووثقت المنظمة مقتل 106 محتجين ومدنيين من البلوش، بينهم 20 طفلًا، في محافظة سيستان وبلوشستان، وهو ما يمثل 33% من إجمالي الضحايا الذين وثقت حالاتهم.
كما وثقت ظروف مقتل 95 محتجًا ومدنيًا كرديًا بشكل غير قانوني، بينهم 13 طفلًا، في 17 منطقة بمحافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، بما يمثل 29% من إجمالي الحالات التي وثقتها.
وأوضحت أن معظم الضحايا قُتلوا بالرصاص، بينما توفي آخرون نتيجة الضرب أو الإصابة بقنابل الغاز المسيل للدموع أو دهسهم عمدًا بمركبات تابعة لقوات الأمن.
وخلصت المنظمة إلى أن عمليات القتل والتعذيب التي استهدفت المحتجين الكرد والبلوش اتسمت، وفق نتائج تحقيقاتها، بدوافع تمييزية سياسية وعرقية، معتبرة أن ذلك يستوفي عناصر جريمة الاضطهاد بحق المجموعتين.
واتهمت منظمة العفو الدولية النظام الإيراني بوجود نظام «ممنهج ومتعمد» للإفلات من العقاب فيما يتعلق بالجرائم التي تقع بموجب القانون الدولي والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.
وقالت إن الدستور الإيراني يمنح المرشد الأعلى سلطة مباشرة على النظام القضائي، موضحة أن المرشد لا يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة فحسب، وإنما يعين أيضًا رئيس السلطة القضائية، الذي يتولى بدوره تعيين كبار القضاة والمدعين العامين.
وأضافت أن القضايا المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة التي يرتكبها أفراد من قوات الأمن تُنظر أمام النيابات والمحاكم العسكرية، حيث قد يكون القضاة والمدعون من خلفيات أمنية، كما تعتمد هذه الجهات بصورة روتينية على إفادات الوحدات الأمنية المتهمة بارتكاب الانتهاكات.
وانتقدت المنظمة القانون الإيراني المتعلق باستخدام القوات المسلحة للأسلحة النارية في «الظروف الضرورية»، معتبرة أنه يسمح باستخدام الأسلحة النارية لتفريق الاحتجاجات بصورة تتعارض مع القانون الدولي.
وأكدت أن القانون الدولي لا يسمح باستخدام الأسلحة النارية إلا كخيار أخير لمواجهة تهديد بالموت أو الإصابة الخطيرة، مشيرة إلى أن القانون الإيراني يمنح موظفي الدولة، بصورة عامة، حماية من المسؤولية الجنائية والمدنية عن أفعالهم.
ودعت منظمة العفو الدولية إلى التحقيق مع المسؤولين المتورطين في الانتهاكات ومحاسبتهم، وإنهاء ما وصفته بنظام الإفلات من العقاب عن الجرائم التي ارتُكبت خلال قمع احتجاجات «جين، جيان، آزادي» عام 2022.