بث تجريبي

نور الدين دميرتاش: يجب النظر للمرحلة الحالية للسلام من منظور تاريخي

صرح نور الدين دميرتاش، عضو حركة حرية كردستان: "نصيحتنا لكل من يحاول فهم المرحلة هي النظر إليها من منظور تاريخي، بدلاً من إلتقاط صورة لحظية لما يجري وتفسيرها على هذا الأساس".

وقَدَّمَ نور الدين دميرتاش تقييمات في إطار المفاهيم الواردة في "بيان السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي طوّره الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وأوصى دميرتاش، بدلاً من التقاط صور لحظية للحدث وتفسيرها، بالاعتماد على منظور تاريخي لفهم مجريات المرحلة.

نص كلمة نور الدين دميرتاش:

"الجميع يناقش اليوم لفهم ما نمر به. لكن جزءاً كبيراً من هذه النقاشات يسعى بالفعل للتحليل الصحيح، بينما يتجاوز جزء آخر حدود النقد ليعمل على إحباط هذه المرحلة.

نصيحتنا لكل من يحاول فهم المرحلة بحسن نية هي النظر إليها من منظور تاريخي بدلاً من التقاط صور لحظية للحدث وتفسيرها. هذا المنظور أقرب للحقائق، لأن كل ما نعيشه اليوم له جذور في الماضي.

الوصول إلى نتائج صحيحة يتطلب ربط الأحداث بالماضي. وحين يتعلق الأمر بشعب أو مجتمع، فإن التحليلات السوسيولوجية تظل عاجزة عن الصواب ما لم تُبنَ على هذا المنظور التاريخي. سواء يتعلق الأمر بالعلاقات الكردية-التركية، أو النضال الطبقي، أو العلاقات بين الجنسين، أو ظواهر التفكك والسلوكيات اللا مجتمعية المتزايدة اليوم، يجب العودة إلى الوراء لفهم أسبابها.

المنظور التاريخي ضروري لهذا الغرض. وإذا أردتم صياغة حلول، يجب وضع التحليلات السوسيولوجية في إطار تاريخي.

لو افترضنا وقوع حادثة في قرية ما، فبدلاً من إلقاء اللوم فوراً على شخص واحد، يجب البحث في تاريخ القرية، وكيف عاشت عائلة هذا الشخص، وكيف يفكرون، وما هو نمط الحياة والثقافة السائدة هناك. ما الذي دفع ذلك الفرد لهذا السلوك؟ أي ينبغي فهم الأرضية والبيئة التي نشأ فيها، وعندها فقط يمكن الحكم بطريقة منصفة. وإلا فسيصبح كل شيء فردياً وشخصياً، ولن نصل إلى حل، وسوف تتكرر الأخطاء.

إذا أردتم منع الأخطاء وتثبيت الصواب، فإن الحقيقة لا تظهر إلا عبر منظور تاريخي وسوسيولوجي. أما الاكتفاء بالنظر إلى الحوادث الضيقة فلن يؤدي إلى نتيجة. ومن هذا المنطلق، هناك حاجة لإعادة تعريف علم الاجتماع (السوسيولوجيا).

كما هو معروف، اخترع العقل الغربي علم الاجتماع استجابة لأزمات حادة، وحاول العقل العلمي في ذلك الوقت تحويل دراسة المجتمع إلى علم منظم يشبه العلوم الأخرى لتوفير الحلول. لكن محاولة فهم التحليلات الاجتماعية عبر قوانين وقواعد صارمة مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والأحياء أدت إلى فجائع (مآسٍ)، وكانت الحربان العالميتان نتيجة مباشرة لهذا العقل الشكلي والمادي (الوضعي).

هذا العقل ينظر فقط لما يحدث في اللحظة الراهنة، وهو عقل نفعي. تماماً كما كان يفعل الرومان القدماء حين يسألون: 'من الرابح؟' لمعرفة أسباب الأحداث. هذا سؤال نفعي للغاية. وبدلاً من البحث عن الرابح، يجب أن نسأل: ما هي الحقيقة؟ وللاقتراب من الحقيقة، يجب عدم فصل المجتمع عن التاريخ.

إذا تناولينا جميع الأحداث الاجتماعية جنباً إلى جنب مع مسارها التاريخي، سنفهم بشكل أفضل مدى الاستمرارية ومدى التغيير والتجدد الحاصل. عندها لن تقودكم الأحداث، بل أنتم من سيوجهها، وتملكون إرادتكم.

هذه هي الطريقة الوحيدة ليحكم المجتمع مصيره بإرادته. وبخلاف ذلك، سيستمر البعض في فرض إرادتهم من الأعلى، وتوجيه الجميع عبر الهندسة الاجتماعية.

الذين يتجاوزون حدود النقد اليوم ويشنون الهجمات، والمطالبون بإقامة دولة أو خوض الحروب، يتضح أنهم لا يفكرون بعقولهم الخاصة، بل يقلدون غيرهم. إنه عقل عجيب، بل لا يمكن تسميته عقلاً أو تفكيراً، إنه مجرد محاكاة وتقليد.

لقد أصبح الأمر أشبه بالموضة؛ يتكلم أحدهم ويكرر الآخر كلامه. لو فكروا قليلاً بمنظور تاريخي واجتماعي، لأدركوا أن هذه أفكار جاهزة ومُلقنة تُمارس كحفظٍ غيبِيّ. مثل هذه البروباغندا لا تنتج شيئاً ولا توصل أحداً إلى الحقيقة.

بالتأكيد، نحن لا نطرح المنظور التاريخي السوسيولوجي فقط للتعامل الصحيح مع أحداث اليوم، بل يجب على كل من يريد أن يعيش بحق أن يطور هذا المنظور. إذا لم نربط أواصرنا مع التاريخ، فلن نتمكن أبداً من امتلاك فهم صحيح للحياة في الوقت الحاضر.

كل من يطمح لحياة عادلة، متساوية، وحرة، ملزم ببناء صلاته مع المجتمع التاريخي. لذا، إذا تناولنا علم الاجتماع على أساس ارتباطه بالتاريخ، فسنراه علماً حقيقياً. وإلا فإن الاكتفاء بتحليلات تمليها متطلبات اللحظة والمصالح الضيقة سيجر المجتمع نحو المهالك وتكرار المآسي القديمة، ولن يولد منه أي تجديد.

إن الشرط الوحيد للثقة بالنفس، والابتعاد عن التشاؤم، والنظر إلى العالم والنظام بوعي وحذر، والحصول على القدرة على النضال بعقل وإرادة مستقلين، هو التأسيس الصحيح للصلة بين التاريخ والمجتمع.

من دون ذلك، لا يمكن بناء حياة صحيحة ولا توجيهها. المسألة ليست فردية، فكل فرد يعيش داخل مجتمع، وجميع الأحداث ذات طابع اجتماعي. وكل تصرف أو خطاب يؤثر على المجتمع بأكمله، مما يتطلب منا التعامل بمسؤولية.

المنظور التاريخي السوسيولوجي يفرض نمط حياة مسؤول تجاه الطبيعة، والكون، والمجتمع، والإنسان. وإذا توفر لدينا هذا الوعي بالمسؤولية، فسنتحرك بوعي تاريخي واجتماعي ونصبح مدافعين عن الحقيقة أينما كانت."

قد يهمك