بث تجريبي

12 عاماً على إبادة الإيزيديين في شنكال .. ماذا حدث؟

تحلّ في الثالث من أغسطس من كل عام ذكرى واحدة من أداة الفصول وأكثرها مأساوية في التاريخ الحديث والمعاصر؛ إنها ذكرى مجزرة شنكال (سنجار) بشمال العراق التي استهدفت المكون الإيزيدي الجذري في العراق عام 2014.

لقد شكّل ذلك الهجوم الدموي صدمة مدوية للضمير الإنساني العالمي، بعدما أسفر عن آلاف الضحايا والمفقودين، وفتح جرحاً إنسانياً واجتماعياً ونفسياً عميقاً ما زالت آثاره وتداعياته القاسية ماثلة وحاضرة في الوجدان حتى يومنا هذا.

 مأساة إنسانية واسعة وعمليات استهداف ممنهجة

في فجر ذلك اليوم المشؤوم، تعرضت منطقة شنكال لهجوم واسع ومفاجئ غاشم، أدى إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى والمفقودين، ودفع بعشرات الآلاف من أبناء المكون الإيزيدي إلى الفرار جماعياً نحو جبل شنكال بحثاً عن ملاذ آمن، وسط ظروف مناخية وإنسانية كارثية بلغت حد المجاعة والعطش.

لم تكن تلك الهجمات مجرد حدث عابر أو نزاع عسكري تقليدي، بل مثلت مأساة جماعية مدبرة استهدفت الوجود التاريخي للمكون الإيزيدي وهويته الثقافية والدينية العريقة. فقد شهدت المنطقة أبشع صور الانتهاكات؛ من عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية، إلى جانب خطف النساء والأطفال وتحويلهم إلى سبايا وعرضهم في أسواق النخاسة، فضلاً عن التهجير القسري الممنهج وتدمير البنى التحتية والقرى والمنازل ودور العبادة. وتسببت هذه الكارثة في تشريد مئات الآلاف، مما جعل شنكال رمزاً عالمياً لمعاناة شعب أعزل واجه خطراً وجودياً حقيقياً.

صمود أسطوري وذاكرة لا تمحوها السنوات

ورغم مرور السنوات الطويلة على وقوع المأساة، فإن ذكرى المجزرة لا تزال حية ونابضة في وجدان الإيزيديين وفي ضمير كل إنسان حر. يواصل أبناء هذا المكون الأبي المطالبة الحثيثة بتحقيق العدالة الناجزة، وكشف المصير المجهول لآلاف المختطفين والمختطفات الذين لم تُعرف أقدارهم بعد، وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم البشعة بحق أي مكون أو جماعة دينية وعرقية أخرى.

لقد تحولت ذكرى شنكال بمرور الوقت إلى مناسبة سنوية عالمية لتسليط الضوء على معاناة الناجين والمهجرين الذين يعيشون في مخيمات النزوح، والتأكيد على الأهمية القصوى لحماية التنوع الديني والثقافي في الشرق الأوسط. وبينما تحمل هذه الذكرى في طياتها مشاهد مؤلمة من الفقد والدمار والنزوح، فإنها تعكس في المقابل صوراً مشرفة للصمود الإنساني الأسطوري، وتمسك الإيزيديين بأرضهم التاريخية وهويتهم وجذورهم، رافضين الاستسلام لثقافة الإبادة والمحو.

الحاجة الماسة إلى الاعتراف الدولي بالإبادة الجماعية

إن الإنصاف الحقيقي لضحايا شنكال والناجين منها لا يمكن أن يتحقق بالكامل دون اعتراف دولي رسمي وصريح بأن ما تعرض له المكون الإيزيدي هو إبادة جماعية (Genocide) وجرائم ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معاني.

إن هذا الاعتراف الدولي يكتسب أهمية بالغة وأبعاداً استراتيجية وإنسانية عميقة، تبرز في النقاط التالية:

- تحقيق العدالة المعنوية والقانونية: يعيد الاعتراف الرسمي الاعتبار لضحايا المجزرة ويحفظ حقوقهم التاريخية، ويساهم في ملاحقة الجناة وتقديمهم للمحاكم الدولية المختصة لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

- جبر الضرر وإعادة الإعمار: يمهد الاعتراف الدولي الطريق أمام خطط شاملة وفعالة لدعم المكون الإيزيدي، وإعادة إعمار مدينة شنكال والبنى التحتية المدمرة، وتوفير البيئة الآمنة لعودة النازحين إلى ديارهم بكرامة واستقرار.

- منع تكرار الجرائم: يرسل الاعتراف رسالة قوية وحاسمة إلى المجتمع الدولي بضرورة الوقوف بحزم ضد خطاب الكراهية والتطرف والتعصب الديني والعرقي، وتفعيل آليات حماية الأقليات والمدنيين في مناطق النزاعات.

- دعم الناجين والناجيات: يساهم الاهتمام الدولي في توفير برامج الرعاية النفسية والصحية والاجتماعية للناجين، وخاصة النساء اللاتي تحررن من قبضة الإرهاب، لمساعدتهن على الاندماج مجدداً في المجتمع.

تبقى مجزرة شنكال شاهداً حياً على قسوة التطرف، وتذكيراً مستمراً بمسؤولية المجتمع الدولي والأمم المتحدة تجاه حماية الشعوب الضعيفة والمستضعفة. إن تخليد هذه الذكرى يجب ألا يقف عند حدود استرجاع الآلام، بل يجب أن يتحول إلى حافز عملي للوقوف صفاً واحداً ضد كل أشكال الظلم، والعمل الجاد من أجل ترسيخ قيم التعايش السلمي والتنوع والسلام، حتى تبقى الإنسانية حية، وحتى لا تتكرر مآسٍ مشابهة في أي بقعة من العالم.

قد يهمك