دفعت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز، العراق إلى إعادة إحياء مشروع استراتيجي لتصدير النفط عبر البحر المتوسط، في خطوة تستهدف تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الخليج العربي.
وفي هذا السياق، وقعت بغداد ودمشق، برعاية أمريكية، اتفاقًا لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، إلى جانب إنشاء ممر نفطي جديد يمتد من البصرة شمالًا، مع تفرعات نحو ميناء بانياس السوري والعقبة الأردنية، ضمن رؤية أوسع لإعادة رسم مسارات الطاقة في المنطقة.
ويرى مراقبون أن المشروع يتجاوز كونه مبادرة اقتصادية، إذ يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل خريطة تصدير النفط في الشرق الأوسط، خاصة أن الإعلان عنه جرى في واشنطن بحضور وزير الطاقة الأمريكي، وبمشاركة شركة «شيفرون»، ما يشير إلى اهتمام أمريكي بتعزيز مسارات بديلة لصادرات النفط بعيدًا عن المخاطر الأمنية في الخليج.
ورغم الإعلان عن الاتفاق، لا تزال التفاصيل الفنية للمشروع قيد الدراسة. وأوضح الخبير في شؤون النفط كوفند شيرواني أن هناك أكثر من تصور لمسار الخط، من بينها مسار ينطلق من البصرة مرورًا بكركوك وصولًا إلى ميناء جيهان التركي، مع تفرعات نحو بانياس والعقبة، إلى جانب تصور آخر يمتد من البصرة إلى حديثة قبل التفرع نحو سوريا وتركيا والأردن.
وأكد شيرواني أن العراق يتجه إلى إنشاء خط استراتيجي قادر على نقل ما لا يقل عن مليوني برميل يوميًا من نفط البصرة، بما يوفر مرونة أكبر في تصدير الخام، ويحمي الإيرادات النفطية من أي اضطرابات قد تعطل الملاحة في الخليج.
وأضاف أن المشروع سيُنفذ عبر تحالف يضم شركة «شيفرون» الأمريكية إلى جانب شركة أمريكية أخرى وشركة قطرية، في إطار خطة تستهدف استقطاب استثمارات دولية وتسريع تنفيذ المشروع.
من جانبه، اعتبر مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل أن التطورات الأمنية الأخيرة كشفت هشاشة الممرات البحرية التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ما دفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات برية أكثر أمنًا واستقرارًا لنقل الطاقة.
وأوضح أن خطوط الأنابيب الممتدة من العراق إلى ميناء بانياس، إلى جانب مشروع البصرة – العقبة، تمثل مشاريع استراتيجية تتجاوز المصالح العراقية، إذ تضمن استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأوروبية، حتى في حال اندلاع أزمات جديدة في الخليج.
وأشار فيصل إلى أن تعثر هذه المشاريع خلال العقود الماضية ارتبط بعوامل سياسية أكثر من كونه نتيجة عقبات فنية، مؤكدًا أن المتغيرات الإقليمية الحالية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي، تقوم على ربط شبكات الطاقة والنقل والتجارة بين دول المنطقة.
ويرى مختصون أن المشروع قد يشكل نقطة تحول في البنية الاقتصادية للشرق الأوسط، إذ لا يقتصر أثره على قطاع النفط، بل يمتد إلى تطوير البنية التحتية للنقل والسكك الحديدية والاتصالات، وتوفير فرص عمل، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين العراق وسوريا والأردن، بما يعيد رسم خريطة الطاقة الإقليمية خلال السنوات المقبلة.