أحدثت أوكرانيا تحولًا لافتًا في طبيعة الحرب الحديثة عبر التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة متوسطة المدى، التي باتت من أبرز أدوات التأثير في ميادين القتال، نظرًا لانخفاض تكلفتها وارتفاع دقتها وقدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وبحسب التقرير، تمكنت كييف من استهداف مراكز الإمداد الروسية ومستودعات الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي خلف خطوط المواجهة، ما ساهم في إعادة تشكيل بيئة العمليات العسكرية على امتداد الجبهة.
انتشار واسع
ونقل التقرير عن مراقبين عسكريين، وفق صحيفة "التايمز" البريطانية، أن الانتشار الواسع للمسيّرات حوّل مناطق واسعة من خطوط التماس إلى ما يشبه "منطقة قتل" تمتد لأكثر من عشرة كيلومترات، حيث أصبحت التحركات العسكرية، خصوصًا للدبابات والمركبات المدرعة، أكثر عرضة للرصد والاستهداف السريع.
ويعكس هذا التطور، وفق خبراء، تغيرًا جوهريًا في مفاهيم الحرب البرية التقليدية التي اعتمدت لعقود على الحشود المدرعة والاختراقات السريعة.
وتضم الترسانة الأوكرانية نماذج متعددة من المسيّرات، من بينها طائرة "هورنت" التي تتميز بتصميم قريب من الطائرات التقليدية، وتصل قدرتها إلى تنفيذ ضربات دقيقة على أهداف تبعد حتى 150 كيلومترًا، رغم أن كلفة إنتاجها لا تتجاوز نحو 5000 دولار.
مسيّرات "بانيشر"
كما تعتمد القوات الأوكرانية على مسيّرات "بانيشر" الكهربائية المصممة لتنفيذ ضربات خلف خطوط العدو لمسافات تصل إلى نحو 30 ميلًا، اعتمادًا على إحداثيات مبرمجة مسبقًا تتيح تنفيذ المهام بشكل شبه مستقل.
ولا تقتصر فاعلية هذه المنظومة على الطائرات فقط، بل تعتمد أيضًا على شبكة متكاملة تشمل صور الأقمار الصناعية التجارية، وأنظمة الاستطلاع الرقمي، ومنصات تحليل البيانات، ما يتيح تحديثًا مستمرًا للمعلومات وتقليص الفجوة بين الرصد والاستهداف إلى أدنى مستوى.
وفي مواجهة قدرات الحرب الإلكترونية الروسية، طورت أوكرانيا حلولًا تقنية تشمل أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على العمل في بيئات التشويش، إضافة إلى تزويد بعض المسيّرات بوصلات سلكية للتحكم ونقل البيانات لتقليل إمكانية التشويش أو الاعتراض.
المستوى التكتيكي
وعلى المستوى التكتيكي، تشير تقديرات عسكرية إلى أن المسيّرات أصبحت مسؤولة عن نسبة كبيرة من الخسائر وتدمير المعدات على الجبهة، ما دفع القوات الروسية إلى تغيير أساليب انتشارها والاعتماد على مجموعات صغيرة متنقلة بدل التشكيلات الكبيرة، مع استخدام مركبات خفيفة ودراجات نارية لتقليل فرص الرصد.
كما طورت أوكرانيا منظومة إمداد مرنة تتيح طلب الطائرات المسيّرة والمعدات المرتبطة بها مباشرة إلى الوحدات القتالية، في نموذج يشبه منصات التجارة الإلكترونية، ما يسمح بوصول الإمدادات إلى الخطوط الأمامية خلال أقل من 24 ساعة في بعض الحالات.
ورغم هذا التفوق التقني، يؤكد خبراء عسكريون أن المسيّرات لا تمثل حسمًا نهائيًا للحرب، إذ لا يزال النجاح الميداني يعتمد على تكامل المدفعية والاستخبارات والمشاة والدفاع الجوي، إلا أن التجربة الأوكرانية تبرز كيف يمكن للتكنولوجيا منخفضة التكلفة أن تعيد تشكيل موازين القوى في الحروب الحديثة.