بث تجريبي

خلافات خلف الكواليس.. هآرتس تكشف أسباب الاستياء الإسرائيلي من واشنطن

انعكست حالة من الاستياء في الأوساط الإسرائيلية من خلال عدد من التحليلات لمجريات الحرب، وسط استغراب مما وصف بأنه "انحراف" للمسار الأمريكي عن الهدف الأساسي من وراء الحرب على إيران.

واعتبرت صحيفة "هآرتس" في تحليل لها، اليوم الجمعة، أن الصراع على مضيق هرمز حلّ محل المبرر الأصلي للحرب المتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني وما يشكله من تهديد عسكري، وذلك عبر تلك المحاولات العبثية للإطاحة بالنظام الإيراني.

ورأت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يعتزم مهاجمة القواعد الصاروخية والمنشآت النووية الإيرانية أو تدمير مخزون اليورانيوم المخصب لديها، كما أنه لا يهدد حياة قادة "النظام الجديد" في طهران.

واعتبرت أن الضربات العديدة التي شنتها الولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية تُصنّف على أنها "جراحية"، حسب وصفها، وتهدف - وفقًا لترامب نفسه - إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات.

وإذا لم ينجح ذلك الضغط، فإن ترامب يتعهد بمهاجمة جميع محطات توليد الكهرباء والجسور والبنية التحتية للطاقة في إيران، الأسبوع المقبل، إلى أن توافق طهران على ذلك، لكن من الناحية العملية، فإن تنفيذ مثل هذه الخطة يُعد مهمة غير مسبوقة من حيث الحجم والنطاق.

ونوهت الصحيفة إلى أن إيران بها نحو 500 محطة لتوليد الكهرباء وآلاف المحطات الفرعية؛ وحتى أكبر هذه المحطات لا توفر سوى جزء ضئيل من إجمالي استهلاك البلاد للكهرباء. وعلاوة على ذلك، إذا قرر ترامب استهداف محطات الطاقة، فإن الضرر الأكبر سيقع على عاتق عشرات الملايين من المدنيين المعتمدين عليها، فضلًا عن المستشفيات ومحطات تحلية المياه والمنشآت الصناعية المدنية.

وحذرت من أن هجومًا كهذا لن يكون من طرف واحد هو الولايات المتحدة؛ إذ تمتلك إيران القدرة على ضرب البنية التحتية المدنية في دول المنطقة وهددت بذلك أكثر من مرة حال تعرض بنيتها التحتية الحيوية لأي استهداف.

وركزت الصحيفة على تصريح ترامب في مارس/ آذار بأن مثل هذه الهجمات "ستكون بمثابة انتقام للعديد من جنودنا - وغيرهم - ممن ذبحتهم وقتلتهم إيران خلال (عهد الإرهاب) الذي استمر 47 عامًا في ظل النظام القديم".

وقالت الصحيفة إنه بعبارة أخرى، لم تكن الاعتبارات الاستراتيجية أو التكتيكية هي جوهر الأمر آنذاك؛ بل بدا أن الفكرة تكمن في أنه إذا تعذّر إجبار إيران على التفاوض، فيمكن -على الأقل- ضمان الانتقام منها.

وأشارت الصحيفة إلى أنه مع تزايد وتيرة رياح الحرب، ليس من الواضح تمامًا ما الذي يسعى ترامب لتحقيقه من خلال مطالبته إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات.

وتساءلت هل يخطط ترامب لإحياء الحوار بشأن مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان قبل شهر؟ منوهة إلى أن ترامب نفسه كان قد أعلن الأسبوع الماضي أن هذه الوثيقة -المكونة من 14 بندًا- قد انهارت.

وجاء ذلك في أعقاب هجوم شنته إيران على عدة ناقلات نفط كانت تبحر عبر مضيق هرمز في مسار يختلف عن ذلك الذي أقرته "هيئة إدارة المضيق" الإيرانية؛ وهي هيئة كانت طهران قد أنشأتها في شهر مايو/ أيار للإشراف على حركة الملاحة عبر المضيق وتحصيل رسوم العبور، ويستدعي هذا الخلاف -الذي أجج المواجهات الأخيرة- بعض التوضيح.

تنص المادة الخامسة من مذكرة التفاهم على ما يلي: "عند توقيع هذه المذكرة، ستبذل إيران قصارى جهدها لترتيب المرور الآمن للسفن التجارية مجانًا - ولمدة 60 يومًا فقط - من الخليج العربي إلى بحر عمان وبالعكس". 

وتنص أيضًا على أن "إيران ستجري حوارًا مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، وذلك بالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج العربي، وبما يتماشى مع القانون الدولي الساري والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على مضيق هرمز".

وفقًا للتفسير الإيراني، يتيح هذا البند لإيران تنسيق وإدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ويمنحها الحق في تحصيل رسوم العبور بعد انقضاء فترة التفاوض الممتدة لستين يومًا، حتى وإن كانت المحادثات لا تزال جارية. ويتعين على إيران التفاوض مع سلطنة عمان ودول خليجية أخرى بشأن ترتيب دائم لإدارة الملاحة عبر المضيق، وتُطالب واشنطن باحترام أي اتفاق تتوصل إليه إيران مع تلك الدول.

ويُعد هذا واحدًا فقط من الألغام المزروعة في الوثيقة التي وقعها ترامب. ولتحييد هذا اللغم، اقترحت عُمان أن تستخدم السفن ممرًا بحريًا أقرب إلى سواحلها، بحيث يمكنها العبور عبره دون الحاجة إلى التنسيق مع إيران أو دفع رسوم عبور.

وبالفعل، بعد إنشاء "الممر العُماني"، كانت تعبره عشرات السفن يوميًا؛ غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلًا، إذ بدأت إيران في مهاجمة تلك السفن في وقت سابق من هذا الشهر، ما أدى إلى انخفاض العدد إلى 10 سفن أو أقل يوميًا.

وترى إيران في المسار البديل تهديدًا لسيطرتها الكاملة على حركة العبور عبر المضيق، وهي السيطرة التي تزعم أنها مُنحت لها بموجب مذكرة التفاهم؛ ولذلك، فإنها تعتبر دعم واشنطن لهذا المسار انتهاكًا صارخًا للمذكرة.

وفي مسعى لتحييد هذا المسار، زار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، العاصمة العمانية مسقط يوم السبت، إلا أن البلدين -ورغم ساعات من المحادثات- لم يتوصلا إلى حل متفق عليه.

ويبدو أن عُمان اقترحت أن تقوم السفن المغادرة أو القادمة عبر المياه الإيرانية بإبلاغ إيران والتنسيق معها، في حين يُسمح لجميع السفن الأخرى باستخدام المسار الجنوبي البديل دون التعرض لخطر الهجوم.

وتضيف "هآرتس" أن هذا الترتيب كان من شأنه أن يقوّض طموح إيران في فرض سيطرة كاملة على حركة الملاحة عبر المضيق، ولذا فقد رفضته. وعقب عودة عراقجي من عُمان بفترة وجيزة، أوضحت إيران موقفها من خلال إطلاق صواريخ استهدفت أهدافًا أمريكية بالقرب من عُمان وسفنًا تبحر في محيطها.

وأكدت الصحيفة أن الأمر لا يقتصر على نزاع إداري وفني حول إدارة حركة الملاحة في الخليج؛ إذ يتمحور الصراع برمته حاليًا حول السيطرة على مضيق هرمز، ليس فقط لكونه مسارًا ملاحيًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، بل أيضًا لأنه يمثل اختبارًا للقوة السياسية لكل من الطرفين.

واعتبرت أنه بالنسبة لإيران، تكمن المسألة في كيفية ترسيخ المكاسب التي منحتها إياها مذكرة التفاهم -من وجهة نظرها- وانتزاع اعتراف إقليمي ودولي بها. أما بالنسبة لأمريكا، فالأمر يمثل صراعًا لتجنب الرضوخ لترتيبات بحرية تفرضها إيران؛ إذ إن الإقدام على ذلك سيُعد فشلًا دبلوماسيًا ذريعًا.

وخلص التحليل إلى أن السؤال الجوهري الآن يتمحور حول ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على استئناف المفاوضات، بل عما إذا كان لا يزال هناك متسع لاتفاق محدود يحول دون تحول صراع الهيبة هذا إلى حرب شاملة. 

وختمت الصحيفة تحليلها قائلة إنه ظاهريًا، لا يزال لدى الطرفين أسباب وجيهة لضبط النفس؛ ولكن عندما يحل الصراع على السيطرة والسيادة ومسألة الإهانة محل الدافع الأصلي للحرب -المتمثل في الرغبة بإنهاء البرنامج النووي الإيراني والتهديد العسكري الذي تشكله إيران، وذلك عبر أسلوب عبثي يتمثل في محاولة إسقاط النظام- فإن كلا الطرفين ينظران إلى أي تسوية على أنها هزيمة.

قد يهمك