أكد وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي (DEM) أن عملية السلام الجارية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني لا تزال تواجه العديد من العقبات السياسية والقانونية، مشيراً إلى أن التواصل مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان المحتجز في سجن إمرالي انقطع بشكل كامل منذ 24 آيار الماضي، في وقت لم تصل فيه حتى الآن مسودة القانون الإطاري المنتظر لا إلى الحزب ولا إلى أوجلان نفسه.
جاء ذلك خلال لقاء حواري عقده وفد من الحزب في العاصمة التركية أنقرة، بحضور نائب الرئيس المشترك للحزب طايب تيميل، والمتحدثة الرسمية أيشغول دوغان، والنائب البرلماني ساروهان أولوتش، وعضوة لجنة منظمات المجتمع المدني سلطان أوزجان، حيث ناقش المشاركون آخر التطورات المتعلقة بالعملية السياسية، ومستقبل إلقاء السلاح، وموقف الحكومة والمعارضة من التسوية المرتقبة.
وأوضح الوفد أن اللقاءات الدورية مع أوجلان توقفت منذ أكثر من شهر، وأن المحامين وأفراد أسرته لم يتمكنوا من زيارته رغم الطلبات المتكررة التي قوبلت بالرفض من دون توضيحات رسمية، واعتبر أعضاء الحزب أن هذا الانقطاع يمثل عقبة حقيقية أمام أي تقدم في مسار التسوية، خاصة في ظل الحديث عن إجراءات قانونية يفترض اتخاذها خلال الفترة المقبلة.
وشدد الوفد على أن أوجلان لا يزال يمثل الطرف الأكثر تأثيراً في ملف نزع السلاح وإنهاء الصراع، مؤكدين أنه لا توجد شخصية أخرى تمتلك القدرة نفسها على دفع حزب العمال الكردستاني نحو حل نفسه وإنهاء العمل المسلح. وأوضح الحزب أن تقييمه لدور أوجلان لا يرتبط بعلاقته بالسلطة الحاكمة، وإنما بتأثيره الفعلي في إنهاء صراع استمر لعقود.
من جانبه، نفى طايب تيميل ما يتردد بشأن وجود اتصالات سرية بين أوجلان ومسؤولي الدولة قبل المبادرة التي أطلقها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، وأكد أن العملية بدأت فعلياً بعد دعوة بهجلي ولقائه نواب الحزب في بداية الدورة التشريعية لعام 2024، نافياً وجود أي اتفاقات مسبقة أو ترتيبات سرية.
وربط تيميل توقيت المبادرة بالتطورات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط، لا سيما في سوريا، معتبراً أن التغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة دفعت بعض دوائر صنع القرار في تركيا إلى إعادة النظر في الملف الكردي. وأضاف أن تقديرات دبلوماسية غربية كانت تتحدث عن تحولات كبيرة في سوريا، وهو ما فرض على أنقرة البحث عن تسويات داخلية تحمي مصالحها في ظل المتغيرات الإقليمية.
ووصف تيميل دعوة أوجلان الصادرة في 27 شباط 2025 لإلقاء السلاح وحل حزب العمال الكردستاني بأنها «الرد الأكثر وضوحاً وجذرية» على دعوة بهجلي، مشيراً إلى أن أوجلان كان قد عبّر في مناسبات سابقة عن رغبته في إنهاء التنظيم، إلا أن الظروف الإقليمية والتدخلات الخارجية حالت دون ذلك.
وأكد المسؤول في الحزب أن إنهاء العمل المسلح لا يعني بالضرورة حل القضية الكردية بشكل كامل، موضحاً أن إنهاء نشاط حزب العمال الكردستاني يمثل مرحلة أولى فقط، بينما تبقى ملفات الحقوق السياسية والثقافية والإدارية للأكراد بحاجة إلى حلول منفصلة وحوار سياسي واسع.
وفي ما يتعلق بالقانون الإطاري المرتقب عرضه على البرلمان التركي، أكد تيميل أن الحزب وأوجلان وقيادات حزب العمال الكردستاني لا يملكون أي معلومات عن مضمون المسودة حتى الآن، رغم التأكيدات الحكومية المتكررة بشأن قرب صدورها. وأضاف أن أوجلان شدد خلال لقاءاته السابقة على أن البرلمان هو الجهة الوحيدة المخولة بإقرار هذه الترتيبات القانونية.
بدوره، كشف النائب ساروهان أولوتش أن الحزب قدم خلال الأشهر الماضية عدداً من المقترحات الشفهية المتعلقة بالقانون، لكنه امتنع عن تسليم تصوراته المكتوبة انتظاراً لمعرفة رؤية الحكومة. وأوضح أن الحزب يرفض أي صيغة قانونية تقوم على التمييز بين عناصر التنظيم أو تقسيمهم إلى فئات مختلفة.
كما أعلن أولوتش رفض الحزب لفكرة «الندم الفعال» التي طرحها بعض الخبراء القانونيين خلال المشاورات، مؤكداً أن اعتماد مثل هذا المبدأ سيقابل بموقف سلبي واضح من جانب الحزب، لأنه يهدد فرص نجاح العملية ويخلق تمييزاً بين العائدين.
وأشار أولوتش إلى وجود تيارات داخل حزب العدالة والتنمية لا تؤيد مسار التسوية، معتبراً أن بعض المواقف القومية داخل الحزب الحاكم لا تزال تنظر إلى القضية الكردية من منظور أمني بحت، وهو ما ينعكس على النقاشات الجارية بشأن القانون الإطاري.
وفي ما يخص التعديلات الدستورية المحتملة، نفى أولوتش أن تكون قضية الدستور الجديد أو فرص إعادة ترشح الرئيس رجب طيب أردوغان قد طُرحت خلال لقاءات إمرالي أو في اجتماعات الحزب مع المسؤولين. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن حل القضية الكردية على المدى الطويل قد يتطلب نقاشات أوسع تتعلق بالمواطنة واللامركزية والتعليم باللغة الأم.
من جهتها، نفت المتحدثة باسم الحزب أيشغول دوغان الاتهامات التي تتهم حزبها بالانحياز إلى حزب العدالة والتنمية، مؤكدة أن الحزب لا يقف إلى جانب السلطة ولا يبتعد عن المعارضة، بل يحاول الحفاظ على موقع مستقل يتيح له لعب دور سياسي مؤثر.
وأوضحت دوغان أن مصطلح «التوافق» الذي استخدمته سابقاً لا يعني وجود اتفاق نهائي أو اطلاع الحزب على مسودة القانون، بل يشير فقط إلى وجود تفاهم عام بشأن ضرورة إنجاز الملف خلال شهر يوليو، وفق الرسائل التي تلقاها الحزب من بعض الجهات الرسمية.
وفي ملف العودة ونزع السلاح، شدد أولوتش على ضرورة إنشاء آليات قانونية واضحة تضمن تنفيذ العملية بشكل متزامن، مؤكداً أن مجرد تسليم السلاح لا يكفي من دون توفير ضمانات قانونية للعائدين، وتساءل عن كيفية التعامل مع مئات أو آلاف الأشخاص إذا قرروا العودة، وعن الجهة التي ستشرف على الإجراءات القانونية الخاصة بهم.
كما أكد أن أوجلان يرى ضرورة أن يشمل القانون جميع أعضاء التنظيم من دون استثناء، بما في ذلك القيادات البارزة، معتبراً أن أي محاولة لتقسيم العناصر أو استثناء بعض الأسماء قد تؤدي إلى إفشال العملية بأكملها.
وفي سياق متصل، كشف تيميل أن أوجلان سينتقل إلى منشأة جديدة داخل إمرالي إذا تم إقرار القانون المنتظر، نافياً في الوقت نفسه الأنباء التي تحدثت عن رفضه الانتقال قبل استكمال الإجراءات القانونية.
وتطرق اللقاء أيضاً إلى أوضاع السياسيين المعتقلين، وفي مقدمتهم صلاح الدين دميرتاش، حيث أكدت دوغان أن الحزب يثير هذه القضية في جميع لقاءاته مع المسؤولين، معتبرة أن الإفراج عنه وعن عدد من السياسيين المعارضين من شأنه تعزيز الثقة الشعبية في العملية السياسية.
واختتمت دوغان حديثها بالتأكيد على أن أي قوة سياسية تعارض القانون الإطاري أو تعرقل جهود التسوية ستجد صعوبة في إقناع الناخبين الأكراد بمواقفها خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مشددة على أن نجاح العملية يتطلب إرادة سياسية حقيقية وخطوات تبني الثقة بين جميع الأطراف.