بث تجريبي

شريان الملاحة الملتهب.. هل يعيد مضيق هرمز واشنطن وطهران إلى حافة الحرب؟

تحولت الهدنة التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي إلى مصدر جديد للتوتر، بعدما كشف خلاف الطرفين بشأن تفسير أحد بنودها، المتعلق بإدارة مضيق هرمز، عن تباين عميق في فهم الاتفاق، ما أعاد الجانبين إلى مسار التصعيد العسكري.

وبحسب مسؤولين إيرانيين، فإن الاتفاق يمنح طهران حق إدارة المضيق الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تؤكد واشنطن أن نص الهدنة ينص على إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية بالشكل الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب.

اتهم منتقدون داخل الولايات المتحدة فريق التفاوض الأمريكي بتقديم تنازلات واسعة لإيران تحت ضغط الرئيس دونالد ترامب، الذي سعى إلى تخفيف الضغوط المتزايدة على أسواق الطاقة العالمية، بحسب "واشنطن بوست".

كما شكك عدد من الجمهوريين، بينهم السيناتور توم كوتون والسيناتور روجر ويكر، في جدوى الإعفاءات الاقتصادية الكبيرة التي حصلت عليها إيران مقابل التزامات محدودة.

وفي مقابلة أجريت الاثنين، قال ترامب إن الغموض في صياغة الاتفاق كان مقصوداً، موضحاً أنه أراد في البداية اتفاق سلام أكثر شمولاً، قبل أن يوافق على ما وصفه بأنه "مذكرة تفاهم" لا تحمل التزامات كبيرة، وتهدف فقط إلى اختبار نوايا إيران.

لكن الاتفاق انهار عملياً بعد إعادة الولايات المتحدة فرض الحصار على إيران، إذ صعدت واشنطن عملياتها العسكرية، وردت طهران بهجمات مضادة، بينما يرى محللون ومسؤولون سابقون أن الغموض في نص الاتفاق سيجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيداً.

بعد إعلان الاتفاق، أكد الطرفان إعادة فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية، إلا أن الخلاف ظهر سريعاً حول المسار الذي ينبغي أن تسلكه السفن.

وخلال الحرب، زرعت إيران ألغاماً في الممر الملاحي الرئيسي، ووجهت السفن إلى استخدام طريق شمالي بمحاذاة الساحل الإيراني، ما منحها قدرة أكبر على مراقبة حركة الملاحة وفرض الرسوم.

في المقابل، شجعت الولايات المتحدة السفن العالقة في الخليج على استخدام طريق جنوبي بمحاذاة الساحل العماني، وهو ما رفضته طهران واعتبرته غير شرعي، قبل أن تستهدف سفينة سلكت هذا المسار بعد أقل من أسبوعين على توقيع الاتفاق.

ووصف ترامب الهجوم بأنه "انتهاك أحمق"، لترد الولايات المتحدة بضربات عسكرية بعد ساعات، فيما تبادل الطرفان الهجمات خمس مرات أخرى خلال الأسبوعين التاليين.

بالتزامن مع التصعيد العسكري، بدأت واشنطن تقليص المكاسب الاقتصادية التي حصلت عليها طهران بموجب الاتفاق، إذ ألغت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءً من العقوبات على صادرات النفط الإيراني، كان قد أتاح لإيران تحقيق مليارات الدولارات خلال أسابيع، كما فرضت عقوبات جديدة رغم وجود بند في الاتفاق ينص على الحفاظ على "الوضع الراهن" وعدم فرض عقوبات إضافية مقابل امتناع إيران عن تطوير برنامجها النووي.

تركز الخلافات بين واشنطن وطهران على "الفقرة الخامسة" من الاتفاق، الخاصة بمضيق هرمز.

وينص البند على أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستبذل قصارى جهدها لاتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يوماً من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس".

كما يشير النص إلى أن إيران "ستجري حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز".

وتعتبر طهران أن عبارة "ستتخذ إيران الترتيبات اللازمة" تعني اعترافاً بسيادتها على إدارة المضيق، بينما تستند الولايات المتحدة إلى بند آخر ينص على "بدء حركة السفن التجارية فوراً"، معتبرة أنه يؤكد استئناف الملاحة الدولية دون قيود.

ووصف الدبلوماسي الأمريكي السابق روبرت مالي صياغة الفقرة الخامسة بأنها فضفاضة للغاية، قائلاً إن "شاحنة أو حتى حاملة طائرات يمكن أن تمر عبرها"، معتبراً أن المشكلة لا تقتصر على الصياغة غير الدقيقة، بل تمتد إلى اختلاف الطرفين في تقدير ميزان القوة والنفوذ.

يسعى كل من الولايات المتحدة وإيران إلى تقديم الاتفاق باعتباره انتصاراً لموقفه، إلا أن العودة إلى المواجهة العسكرية دفعت كل طرف إلى الرهان على تراجع الآخر أولاً.

ويرى محللون ومسؤولون سابقون أن إيران تعتقد أن استمرار سيطرتها على مضيق هرمز سيزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، بينما تراهن واشنطن على أن إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية ستلحق أضراراً أكبر بالاقتصاد الإيراني.

وأكدت طهران، حتى قبل إعلان وقف إطلاق النار، أن إدارة مضيق هرمز لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، إذ قال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن "الجميع يجب أن يعلم أن إدارة مضيق هرمز لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل الحرب".

من جانبه، حذر الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، داني سيترينوفيتش، من أن انهيار الاتفاق، حتى وإن كان مجرد إطار أولي، قد يقوض فرص الحلول الدبلوماسية مستقبلاً، مشيراً إلى أن اقتناع القيادة الإيرانية بعدم جدوى المفاوضات قد يدفعها إلى تقليص ضبط النفس، داعياً الولايات المتحدة إلى تحديد أهدافها السياسية بوضوح، حتى لا يتحول التصعيد العسكري إلى غاية بحد ذاته.

قد يهمك