بث تجريبي

خلافات حادة داخل البرلمان السوري الجديد.. وصراع النفوذ يتصدر المشهد ماذا يحدث؟

بين ضغوط الاستحقاقات الدستورية وتشابك حسابات القوى السياسية، يدخل البرلمان السوري الجديد أولى محطاته وسط خلافات تتجاوز الجوانب البروتوكولية، لتكشف أن تشكيل السلطة التشريعية لا يزال خاضعًا لتوازنات النفوذ والمناطقية أكثر من ارتباطه بالبرامج والإصلاحات المنتظرة.

ولم يعد تأجيل الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري الجديد يُنظر إليه باعتباره مجرد تعديل في جدول المواعيد الرسمية أو نتيجة للترتيبات الأمنية التي رافقت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، أو حتى ارتباط الرئيس السوري بالمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة.

وتشير المعطيات التي برزت خلال الأيام الماضية إلى أن التأجيل يعكس تعقيدات سياسية عميقة داخل أول مؤسسة تشريعية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث تتداخل حسابات النفوذ مع التوازنات المناطقية والتمثيل المجتمعي في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وبحسب مصادر متقاطعة، فإن الخلافات لا تقتصر على اختيار رئيس المجلس، بل تمتد إلى توزيع المواقع القيادية داخله، في ظل محاولات مختلف الكتل تثبيت حضورها داخل المؤسسة التي يفترض أن تقود العملية التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.

وفي مشهد يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية، تحولت مجموعة عبر تطبيق «واتساب» تضم أعضاء المجلس البالغ عددهم 207 أعضاء، إلى جانب أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، إلى منصة غير رسمية للنقاش والتفاوض بشأن المناصب البرلمانية، وتؤكد المصادر أن عددًا من النواب أعلنوا ترشحهم لرئاسة المجلس من خلال هذه المجموعة، بينما فضّل آخرون التريث انتظارًا لاتضاح موازين القوى والتحالفات.

ورغم أن هذا الأسلوب يعكس انتقال عملية اختيار المناصب من آلية التعيين المباشر إلى مساحة أوسع من التفاوض السياسي، فإنه يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة البنية التنظيمية للمؤسسات الجديدة واعتماد القوى السياسية على وسائل تواصل غير رسمية لإدارة واحدة من أهم المعارك السياسية في البلاد.

وبعيدًا عن النقاشات المرتبطة بالأولويات التشريعية أو الملفات الاقتصادية والخدمية، تتجه المنافسة داخل المجلس بصورة متزايدة نحو اعتبارات جغرافية ومناطقية، إذ تبرز محافظة حلب، التي تمتلك أكبر كتلة نيابية، باعتبارها مركز الثقل في معركة الرئاسة، حيث تتنافس شخصيتان بارزتان هما عزام خانجي والدكتور محمد علي محمد ياسين، وسط جهود مكثفة لحشد التأييد داخل المجلس.

وفي المقابل، تسعى المحافظات الشرقية إلى استثمار ثقلها السكاني وعدد ممثليها للدفع نحو الحصول على أحد المناصب السيادية داخل البرلمان، معتبرة أن المرحلة الجديدة تستوجب إعادة توزيع مراكز القرار بما يعكس التوازنات الحالية.

ولا يقتصر الجدل على الاعتبارات المناطقية، إذ تشهد الكواليس أيضًا نقاشات حول الحفاظ على العرف الذي يقضي بإسناد منصب نائب رئيس المجلس إلى شخصية مسيحية، رغم تراجع عدد ممثلي المسيحيين مقارنة بالدورات السابقة، بالتوازي مع طرح أسماء نسائية لتولي المنصب، وهي مقترحات لا تزال محل نقاش ولم تحظ حتى الآن بتوافق سياسي واسع.

وعلى المستوى القانوني، تواجه الإدارة الانتقالية تحديًا لا يقل أهمية عن الخلافات السياسية، إذ تنص المادة 39 من النظام الانتخابي المؤقت على ضرورة انعقاد مجلس الشعب خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وسبعة أيام من تاريخ صدور مرسوم تسمية الأعضاء.

ولتفادي أي مخالفة للنظام المؤقت أو الدخول في فراغ قانوني، تتجه الترتيبات الحالية إلى عقد الجلسة الافتتاحية يوم الأحد المقبل، مع احتمال توزيع أعمالها على أكثر من يوم، بما يمنح القوى السياسية مساحة إضافية لاستكمال التفاهمات المتعلقة بانتخاب رئيس المجلس وهيئة مكتبه.

كما تشير المعلومات إلى أن المادة 40 من النظام ذاته تمنح مرونة في حال تعذر حضور رئيس الجمهورية للجلسة الأولى بسبب ارتباطاته الخارجية، إذ يمكنه المشاركة وإلقاء كلمته خلال جلسة لاحقة، وهو ما يخفف من الضغوط البروتوكولية المرتبطة بموعد افتتاح المجلس.

ووفق الترتيبات التي أعدتها اللجنة العليا للانتخابات، ستبدأ الجلسة الافتتاحية بإدارة رئيس اللجنة، حيث يؤدي جميع أعضاء المجلس القسم الدستوري وقوفًا من أماكنهم داخل القاعة، قبل إعلان استراحة قصيرة تمتد لنحو ثلاثين دقيقة.

وبعد ذلك، يتولى العضو الأكبر سنًا رئاسة الجلسة بصفته «رئيس السن»، يعاونه أصغر الأعضاء كأمين للسر، ليبدأ بعدها فتح باب الترشح والتصويت على رئيس المجلس ونائبيه وأعضاء المكتب الرئاسي.

ورغم أن هذه الإجراءات تبدو اعتيادية من الناحية البروتوكولية، فإنها تأتي في ظل اعتراضات قانونية سابقة طالت صلاحيات اللجنة العليا للانتخابات، الأمر الذي يمنح الجلسة بعدًا سياسيًا يتجاوز الطابع الإجرائي.

ويمثل تشكيل مجلس الشعب الجديد أول اختبار فعلي لقدرة مؤسسات المرحلة الانتقالية على إدارة الخلافات السياسية ضمن أطر دستورية ومؤسساتية، بعيدًا عن أساليب فرض القرار التي طبعت الحياة السياسية السورية لعقود.

ويرى مؤيدون للمشهد الحالي أن تعدد الآراء واحتدام المنافسة مؤشر على بداية حياة سياسية أكثر انفتاحًا، حيث أصبحت المناصب محل تنافس وتفاوض بدلًا من الحسم المسبق، في المقابل، يحذر مراقبون من أن تتحول المحاصصة المناطقية والطائفية إلى قاعدة دائمة لإدارة المؤسسات، بما يعيد إنتاج أنماط العمل القديمة وإن تغيرت الوجوه والشعارات.

وبين هذين التقديرين، يبقى الرهان معلقًا على قدرة المجلس الجديد على تجاوز صراعات توزيع المناصب والانصراف إلى معالجة الملفات التي تثقل كاهل السوريين، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والخدمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فيما ستحدد الأسابيع الأولى من عمر البرلمان ما إذا كان سيمثل بداية لمرحلة تشريعية أكثر فاعلية أم سيظل أسير التوازنات السياسية التي أخرت انطلاقته منذ اللحظة الأولى.

قد يهمك