بعضُ الأصدقاء استوقفهم ما كتبته عن مهرجان النوروز في أمد " ديار بكر "، لا من زاوية المشهد الإنساني الذي نقلته، بل من زاوية الموقف السياسي: كيف نحتفي بمشهدٍ كرديٍّ في هذا التوقيت، بينما العدوان الصهيوأمريكي على إيران مستمر؟
وأفهم هذا التساؤل… بل أقدّره.
لكن ما يحتاج إلى تدقيق هو هذا الميل إلى اختزال الشعوب في موقفٍ واحد، أو اختزال التعقيد في صورةٍ واحدة.
كما أن المشهد العربي نفسه ليس كتلة صمّاء تجاه هذا العدوان—بين من يراه عدوانًا يجب التصدي له، ومن يلتبس عليه الموقف، ومن يُسقط حساباته الخاصة—فإن المشهد الكردي، بدوره، ليس صوتًا واحدًا ولا موقفًا واحدًا.
من خلال لقاءاتي مع قيادات وشخصيات كردية، في كردستان العراق، وكردستان إيران، وشمال وشرق سوريا، تبيّن لي بوضوح أن هناك قطاعًا واسعًا—خاصة في الأوساط القريبة من مدرسة القائد والمفكر عبد الله أوجلان—يرفض بشكل قاطع أن يكون الكرد أداة في يد أي قوة خارجية، أيًّا كان اسمها أو مشروعها.
هذا التيار لا ينطلق من تكتيك سياسي عابر، بل من مراجعة تاريخية قاسية:
تجارب طويلة دفع فيها الكرد أثمانًا باهظة حين جرى توظيفهم في صراعات الآخرين، أو حين تم استخدام قضيتهم كورقة في مشاريع إقليمية ودولية.
ومن هنا، تتبلور رؤية مختلفة:
أن يكون الكرد جسرًا بين الشعوب، لا خندقًا بينها.
أن يكونوا عنصر استقرار، لا وقودًا لحروب الآخرين.
أن يُعاد تعريف الصراع، لا على أساس قومي أو إثني ضيق، بل على قاعدة ما يطرحه أوجلان من مفهوم “الأمة الديمقراطية”، كإطار جامع يتجاوز الانقسامات ويؤسس لتعايش حقيقي.
هل يعني ذلك أن كل الكرد يتبنون هذا التصور؟
بالطبع لا.
لكن هل من الدقة—أو من الإنصاف—أن نُسقط مواقف بعض الأطراف على شعبٍ كامل، أو أن نُدين تجربة شعبٍ بأكمله بناءً على قراءة جزئية أو انطباع إعلامي؟
أيضًا لا.
ما رأيته في أمد لم يكن اصطفافًا مع محور ضد آخر، بل كان تعبيرًا عن هوية تقاوم، وعن شعب يصرّ على أن يكتب نفسه بنفسه، خارج معادلات التوظيف والابتزاز.
ولهذا، فإن حضوري لم يكن انحيازًا ضد موقفٍ أعلنته بوضوح تجاه العدوان، بل كان انحيازًا لمبدأ أعمق:
أن دعم حق الشعوب في الوجود والكرامة لا يتناقض مع رفض العدوان،
وأن فهم تعقيدات الشعوب أولى من إصدار أحكام جاهزة عليها.
القضية، ببساطة، ليست اختيارًا بين هذا وذاك…
بل رفض أن نُختزل نحن—أو غيرنا—في معادلات ضيقة،
بينما المنطقة كلها تُعاد صياغتها على وقع النار.
من زوايا العالم
منبر الرأي
منبر الرأي