بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: من مطار القاهرة .. أغادر كما لو أنني ألبي نداءً قديمًا

من مطار القاهرة...
أغادر كما لو أنني ألبي نداءً قديمًا، لا اسم واضحًا له، سوى ذلك الشغف الذي يظل، على عناده، أقوى من حسابات العمر، وأمضى من وهن الجسد حين يهمس بضرورة التمهل.
في مثل هذه السن، يليق بالمرء أن يهادن تعبه، وأن يكتفي من العالم بما صار يعرفه عنه.
لكن شيئًا في الداخل لا يزال يرفض الطمأنينة الكاملة، ويؤمن أن بعض المعاني لا تُقرأ من بعيد، ولا تُلتقط إلا على حافة الأسئلة، وأحيانًا على مقربة من النار.
إلى هناك أمضي...
إلى جهةٍ تختلط فيها الذاكرة بالهوية، والاحتفال بالمعنى، والتراث بما هو أبعد من التراث.
مكانٌ يتهيأ لكرنفالٍ كبير، لكن الكرنفالات في بعض الجغرافيات ليست للفرح وحده؛ إنها أيضًا إعلان حضور، وتشبث بالاسم، وتمسك بالرواية، ورسالة صامتة تقول إن الذين أوقدوا نارهم الأولى منذ قرون، يعرفون جيدًا أن خرائط جديدة تُرسم، وأن من لا يحضر لحظة التشكّل، قد يُكتب عليه أن يُستبعد من المعنى ومن المكان معًا.
أمضي إلى بلادٍ ليست بعيدة عن لهيب الحرب، بل تقف على تماسٍّ مع نيرانها، وتطمح، بقدر غير قليل من الطموح والقلق والمخاطرة، إلى أن تكون رقمًا كبيرًا في خرائط تُعاد صياغتها بالدم، وتحت ضغط الوقائع العاصفة لا على موائد التأمل الهادئ.
ربما لم يعد في العمر متسعٌ لكثير من المجازفات،
لكن يبدو أن شهوة المعرفة لا تعترف كثيرًا بالعمر،
وأن الروح، مهما أثقلتها السنوات، تحتفظ بسرّها القديم:
أن تمضي… كلما ظن الآخرون أنها اكتفت.
 أغادر هذه المرة إلى ما يشبه المعنى أكثر مما يشبه المكان.
وما بين بوابة السفر ونداء الصعود، أشعر أن بعض الرحلات لا تبدأ من المطارات، بل من ذلك القلق الجميل الذي يوقظ فينا الرغبة في أن نرى، بأنفسنا، كيف تحتفل الشعوب وهي تراقب مصائرها، وكيف ترقص الذاكرة على حافة الخطر، وكيف يتحول التراث، في لحظات الزلزلة الكبرى، إلى صيغة أخرى من صيغ الحضور في التاريخ.

قد يهمك