يُعدُّ نوروز عيداً ورمزاً أصيلاً للهوية الكردية ونضالها؛ فمن ملحمة كاوا الحداد إلى فكرالزعيم الكردي عبد الله أوجلان ونضاله، تجذّر نوروز كمنارةٍ للمقاومة والحرية والانتصار، وتجسيداً لإرادة الشعب الكردي وشعوب المنطقة في التشارك والأخوة.
يعد عيد نوروز، العيد القومي للشعب الكردي، من أهم المناسبات وأكثرها تعبيراً عن الهوية والثقافة والذات الكردية. وعلى الرغم من احتفال شعوب عديدة في المنطقة به، تبرز التساؤلات حول قصة نوروز وروايتها التاريخية، وكيف تبلورت ملامحه الحالية في غمرة نضال الشعب الكردي لأجل حقوقه وكرامته، ولا سيما في الخمسين سنة الأخيرة من عمر حركة التحرر الكردية بقيادة المفكر والقائد عبد الله أوجلان.
في عام 612 قبل الميلاد، وبينما كان الظلم والاستبداد يخيمان على المنطقة من مركز القرار في نينوى قرب الموصل الحالية، توحدت العشائر الكردية وعلى رأسها 'الماديون' بقيادة 'كاوا الحداد'، وساندهم في ذلك شعوب المنطقة المتضررة؛ حيث تم التخلص من الطاغية 'ضحاك' الذي كان يقتات على أدمغة الشباب لعلاج مرضه وفق الميثولوجيا الكردية والعديد من المصادر التاريخية. وحينها، أُعلن النصر بإشعال النيران في المرتفعات، لتكون شعلةً يراها الجميع ورمزاً أبدياً للخلاص والحرية.
ورغم التفاصيل الميثولوجية الغزيرة، تظل القصة التاريخية تعبيراً عن ملحمة بطولية للكرد؛ غايتها تخليص أنفسهم وشعوب المنطقة من نير الظلم. وقد تكللت هذه الملحمة بتأسيس "الإمبراطورية الميدية"، أو ما يصفه القائد أوجلان في مجلداته بـ "الفدراسيون الميدي"؛ نظراً لما تميزت به من روح التشارك والأخوة، ونمط إدارةٍ ديمقراطيٍّ بعيدٍ عن السلطوية المركزية الصلبة التي سادت إمبراطوريات ذلك العصر. وقد استمرت هذه التجربة لنحو نصف قرن (50 عاماً)، قبل أن تتحول إلى كيان (برس- مد) نتيجة المؤامرات والتحالفات التي استهدفت تماسكها.
ومنذ ذلك اليوم، يحتفل الشعب الكردي والعديد من الشعوب الأخرى بهذا العيد، كل وفق ثقافته وخصوصيته. وقد تزامَن العيد مع بدء فصل الربيع، مما جعله يحمل معاني التجديد والدفء الربيعي والحياة الجديدة. ومع المؤامرات والظروف الصعبة التي تعرض لها الكرد عبر التاريخ، أضحى نوروز رمزاً للتعبير عن "الذات الكردايتية" بوجودها وثقافتها ولغتها، ليحمل معاني المقاومة إلى جانب معاني الانتصار والحرية.
ومع تقسيم كردستان لأول مرة في التاريخ عام 1639 بموجب اتفاقية 'قصر شيرين' بين الصفويين والعثمانيين، وصولاً إلى التقسيم الأخير وفق معاهدتي 'سايكس بيكو' و'لوزان' إبان انهيار الإمبراطورية العثمانية، تحول نوروز إلى رمزٍ حي للوحدة الكردية ووحدة المصير. فرغم تشتت الكرد بين أربع دول، ظل نوروز الرباط الذي يجمعهم سنوياً، متجاوزاً كافة محاولات القمع والسجن والقتل والمنع التي مارستها الأنظمة المتعاقبة في الدول الأربعة ضد المحتفلين، لتثبت إرادة الحياة أنها أقوى من سياسات الإنكار والإبادة.
ومع انطلاق حركة التحرر الكردستانية بقيادة حزب العمال الكردستاني والقائد عبد الله أوجلان، اكتسب نوروز أبعاداً نضالية أعمق، خاصة بعد العملية الفدائية التي قام بها المناضل مظلوم دوغان في سجن "آمد" (ديار بكر) عام 1982؛ حيث جعل من جسده شعلة لنوروز تحت شعار "المقاومة حياة والاستسلام خيانة". وبذلك أضاف لنوروز قيم الكرامة والحياة الحرة، وهو ما مهد لتأسيس "حزب نوروز" كما يصفه أوجلان، وانطلاق الكفاح المسلح لكسر سياسات الإبادة والإنكار.
ولقد كانت المرأة الكردية حاضرةً بقوة في ميادين نوروز كافة؛ ففي التسعينيات، رسّخت الشهيدة زكية ألكان (طالبة الطب في سنتها الأخيرة) بعمليتها الفدائية، معنى أن تكون المرأة الكردية الحرة ملحمةً وناراً تنضمُّ إلى شعلة نوروز لتنير درب شعبها، متحديةً سياسات المحو والمنع والقتل والتتريك. وتلاها في درب الخلود البطلات: راهشان دميرل، وبيريفان، وروناهي؛ اللواتي أثبتن بتضحياتهنّ أن نوروز ليس مجرد يومٍ للاحتفال، بل هو تقليدٌ متجذر للمقاومة والانتصار والحرية، مهما بلغت التحديات. وأن فلسفة المرأة، الحياة، الحرية قادرة على أن بناء الحياة الحرة وتحقيق الحرية للمجتمع.
ومع بزوغ فلسفة 'الأمة الديمقراطية' وطرح مشروع الحل السياسي والديمقراطي للقضية الكردية، تحول الكرد إلى محرك أساسي للتحول الديمقراطي والحياة الحرة في المنطقة. لقد نجحت هذه الفلسفة في تجديد قيم الأخوة والتشارك الأصيلة التي حملها عيد نوروز منذ بداياته الأولى، حين توحدت الشعوب والمكونات ضد ظلم الطاغية 'ضحاك'. وبذلك، لم يعد نوروز مجرد ذكرى سنوية، بل تحول إلى نموذج حي للمقاومة والبناء الديمقراطي المشترك.
إن نوروز اليوم يظل منارةً للحرية ومنبعاً للوحدة الديمقراطية بين كافة القوى الكردية، ورسالة تآخٍ وتكامل واندماج ديمقراطي بين شعوب المنطقة كافة والدول الموجودة. إن هذا العيد يرشدنا إلى أن الحل في مواجهة التحديات – أكانت داخلية أم خارجية – يكمن أولاً في تحقيق وحدة الشعوب وتشاركها، وذلك بحل القضايا الوطنية عبر الوسائل السلمية والعيش المشترك؛ الذي يجب أن يرتكز على الاعتراف المتبادل بإرادة الشعوب وحقها في إدارة نفسها ضمن حدود الدول القائمة، بعيداً عن مشاريع التقسيم والحروب العبثية التي لا تخدم سوى الأجندات والمصالح الخارجية.
المصدر: وكالة فرات للأنباء