بث تجريبي

ماجدة طالب تكتب: شرق أوسط بين فكي الاقتصاد والحرب

تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط نحو مرحلة تتجاوز فكرة التصعيد التقليدي إلى إعادة تعريف شاملة لموازين القوة، تقودها التحولات الاقتصادية بقدر ما تحركها المواجهات العسكرية.

لم يعد الصراع مع إيران مجرد ملف نووي أو تنافس إقليمي، بل أصبح عقدة مركزية في صراع أوسع تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي، وتتصادم فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا.
في هذا السياق، لم يعد الخليج مجرد طرف مراقب أو وسيط، بل أصبح في قلب المعادلة رغم حذره الواضح تدرك دوله أن أي انخراط مباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران قد يهدد بنيتها الاقتصادية القائمة على الاستقرار والانفتاح.
ومع ذلك، لم يمنع هذا الحذر انتقال التوتر إلى عمقها الاقتصادي، حيث باتت منشآت الطاقة والمراكز المالية عرضة لضغوط غير مباشرة، سواء عبر التهديدات الأمنية أو اضطراب الممرات البحرية.
مدن مثل دبي لم تعد مجرد مراكز تجارية، بل تحولت إلى مؤشرات حساسة لأي اهتزاز إقليمي، فالإمارات التي سعت لسنوات إلى تكريس دورها كمركز اقتصادي بديل ومنافس للموانئ الإقليمية، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف؛ إذ إن أي خلل في الملاحة أو ارتفاع في المخاطر الجيوسياسية ينعكس فورًا على تدفقات الاستثمار وحركة الشحن وثقة الأسواق الاقتصاد هنا لم يعد خلفية للصراع، بل مقياس مباشر لشدته واتجاهه.
في المقابل، تواجه إيران ضغوطًا متراكمة دون أن تصل إلى نقطة الانهيار العقوبات، التضخم، وتراجع العملة كلها عوامل ضغط، إلا أن النظام لايزال قائمًا بفضل قدرته على التكيف عبر اقتصاد موازٍ وشبكة علاقات مع قوى كبرى، خصوصًا الصين ومع ذلك، فإن تصاعد الحديث عن توترات داخلية، بما في ذلك تحركات بعض الفئات التجارية والاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي، إلى جانب الاخبار المرتبطة بمقتل نجل المرشد، يعكس حالة قلق داخلية حقيقية، حتى وإن لم تتحول إلى تغيير جذري في بنية السلطة حتى الآن.
هذا التوتر الداخلي يتقاطع مع تصعيد خارجي متزايد بين إيران وإسرائيل، حيث لم تعد المواجهة محصورة في ساحات تقليدية، بل تحولت إلى صراع نفوذ مفتوح يمتد من سوريا إلى البحر الأحمر، يعتمد على الضربات غير المباشرة والرسائل العسكرية المحدودة، دون الوصول إلى حرب شاملة حتى اللحظة.
إسرائيل تتحرك ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يقلص نفوذ إيران ويعيد ترتيب التحالفات، وربما الدفع نحو تغيير سلوك النظام الإيراني إن لم يكن تغييره بالكامل. هذا التوجه يتقاطع مع مصالح بعض القوى الدولية، لكنه يحمل مخاطر انفلات التصعيد إذا خرج عن الإطار المحسوب.
على المستوى الدولي، تلعب الصين دورًا صامتًا لكنه حاسم. فهي ليست معنية بانتصار طرف بقدر ما تهتم باستقرار تدفقات الطاقة. تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات اقتصادية مع إيران، ما يدفعها إلى تبني سياسة توازن حذر، وتجنب الانخراط المباشر، مع السعي لاحتواء أي تصعيد قد يهدد الاقتصاد العالمي، بخاصة في ظل تشابك مصالحها مع الولايات المتحدة وأوروبا.
أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى هذا الصراع كفرصة لإعادة تثبيت نفوذها في الممرات الحيوية للطاقة، خصوصًا في ظل تنافسها مع الصين الضغط على إيران لا يهدف فقط إلى تحجيم دورها الإقليمي، بل إلى ضمان بقاء طرق الطاقة تحت مظلة النفوذ الغربي، حتى وإن تم ذلك عبر حافة التصعيد.
روسيا بدورها تستفيد جزئيًا من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها لا تميل إلى فوضى غير محسوبة، ما يجعل موقفها أقرب إلى إدارة التوتر لا تفجيره.
في قلب هذه المعادلة تقف الممرات البحرية كعامل حاسم. مضيق هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد نقاط جغرافية، بل أدوات ضغط اقتصادي. أي تعطيل فيهما قد يؤدي إلى صدمة في أسعار النفط، وارتباك في سلاسل الإمداد، وتداعيات تمتد إلى الاقتصاد العالمي.
هنا يظهر اليمن كفاعل صامت لكنه استراتيجي موقعه على باب المندب يمنحه قدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ورغم هدوئه النسبي، فإن أي تصعيد من قبل الحوثيين قد يحول البحر الأحمر إلى نقطة اشتعال دولية، في وقت ذاته سيادة السلطة الشرعية تعجز التحكم الكامل بالموانئ والممرات وتسليمها لدول الخليج والقرار السيادي مازال بيد السعودية  للحفاظ على امنها والاستفادة من ثروات اليمن.
لبنان، في المقابل، يقدم نموذجًا حيًا لانهيار الدولة عندما تتقاطع الأزمات الداخلية مع الصراعات الإقليمية أزمته ليست معزولة، بل نتيجة مباشرة لهذا التشابك المعقد.
السؤال الحقيقي اليوم لم يعد من سينتصر عسكريًا، وهذا سيناريو إعلامي من كل عام من هو المنتصر، بل كيف ستُعاد صياغة المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا. هل نحن أمام شرق أوسط يتشكل على حساب تقليص نفوذ إيران، أم أمام تمدد متوازن لإيران وإسرائيل ضمن نظام يخدم القوى الكبرى الصامتة، أم أن التصعيد قد يخرج عن السيطرة ليطال الجميع دون استثناء!
السيناريوهات مفتوحة. قد تنجح الضغوط الاقتصادية في فرض توازن جديد، وقد تنزلق المنطقة إلى صراع طويل يعيد رسم الخريطة بالكامل، وفي الحالة الثانية، لن تكون الخسارة لطرف واحد، بل بشكل واسع على الجميع.
الشرق الأوسط لا يقف أمام صراع نفوذ فقط، بل أمام اختبار وجودي. ليس السؤال من سينتهي، بل أي شكل من الدول سيبقى أصلًا عندما تنتهي هذه المرحلة. لأن هذه المنطقة، ببساطة، لا تنتج انتصارات نهائية، بل تعيد تدوير الخسائر بطريقة أكثر قسوة كل مرة.

---

نقلا عن موقع النداء

قد يهمك