بث تجريبي

من إنجلز إلى أوجلان.. هل تتشابه الرؤية حول الدولة والكومونة؟

أشار الكاتب ماهر أرغون إلى أنَّ الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، من خلال أطروحته حول الدّولة والكومونة، يقترب في الواقع من أفكار إنجلز.

كان من أكثر الموضوعات إثارةً للنّقاش في مانيفستو الزعيم أوجلان انطلاقه في تفسير التّاريخ من صراع الدّولة والكومونة. وقد طُرِحَ هذا الموضوع، الّذي يُناقَش كثيراً في الأوساط الاشتراكيّة، مجدَّدَاً خلال الهجمات الأخيرة على روج آفا، حيث جرى التّأكيد بإصرار على مقولة "انهار نموذج أوجلان"، وأشار الكاتب ماهر أرغون إلى أنَّ الكومونة تمثّل نضالاً من أجل البقاء، وتشكل الأساس الّذي يقوم عليه الاشتراكيّة، وقد قدَّم تقييماً حول هذا الموضوع.

ذكّر ماهر أرغون بأنَّ الفقرة الافتتاحيّة من مانيفستو الحزب الشّيوعي تبدأ بالعبارة "إنَّ تاريخ جميع المجتمعات حتّى يومنا هذا ليس سوى تاريخ الصّراعات الطّبقية"، وتابع حديثه قائلًا: "لقد تحوّلت هذه الجملة مع مرور الزّمن إلى الحكمة التّاريخيّة للاشتراكيّة الماركسيّة، وبهذا الشّكل تُبسِّط الأمور، وكأنَّ التّاريخ لا يحتوي على شيء آخر سوى الصّراع الطّبقي. غير أنَّ جوهر المسألة مختلف؛ فهذه العبارة هي في الأساس جملة وردت في مانيفستو، ولا يُتوقع من المانيفستويات أنْ تقدّم نتائج أبحاث التّاريخ الاجتماعي، بل يُنتظر منها أنْ تكون لافتة وجذابة، مثل هذه الجملة جذابة بالفعل، لكنَّها ليست دقيقة تماماً. والمشكلة تكمن في استخدام هذه الجملة كمفتاح لتفسير التّاريخ. فقد نُشِرَ المانفيستو عام 1848، ومنذ ذلك الحين يرتكب عدد كبير من الاشتراكيّين الماركسيّين أخطاء من هذا النّوع. إذ يجري اقتطاع بعض العبارات من بين الأعمال الأساسيّة للماركسيّة وتحويلها إلى معتقدات جامدة، الأمر الّذي يؤدي إلى التّقليل من تعقيد المسألة، وإلى الوقوع في الخطأ وتكراره.

ومن الواضح أنَّ إنجلز لاحظ ذلك أيضاً، إذ أضاف ملاحظة من هذا القبيل في الطّبعة الإنكليزيّة لمانيفستو الحزب الشّيوعي عام 1888، جاء فيها: ’لنقل إنَّ التّاريخ المكتوب سيكون الأدق والأفضل‘ وتشير هذه الملاحظة إلى أهمّيّة الكومونات في التّاريخ غير المكتوب، أيّ إنَّهُ، بحسب إنجلز، فإنًّ ’تاريخ الإنسانيّة‘ لا يتكوّن فقط من الصّراع الطّبقي؛ بل إنَّ التاريخ المكتوب وحده هو الّذي يتشكل من الصّراع الطّبقي. أما قبل ذلك، فالكومونة كانت موجودة أيضاً."

وأوضح الكاتب ماهر أرغون أنَّ مقولة ’التّاريخ يتكوّن من الصّراع الطّبقي‘ تمثّل اعتقاداً جامداً، وأنَّ هذا الاعتقاد ليس مفيداً أيضاً من حيث النّضالات السّياسيّة، وقال: "لذلك، تعرّضت هذه المقولة لانتقادات كثيرة، سواء من اليمين أو من اليسار، فعلى سبيل المثال، يرد في كتاب ’المجتمع ضدَّ الدّولة‘ لـ بيير كلاستر، الّذي نُشِرَ عام 1974، أنَّ ’تاريخ الشّعوب الّتي بلا تاريخ‘ هو تاريخ النّضال ضدَّ الدّولة.

ويشير أوجلان أيضاً في ’مانيفستو السّلام والمجتمع الدّيمقراطي‘ إلى أنَّ من الخطأ الكبير النّظر إلى التّاريخ فقط بوصفه تاريخ الصّراع الطّبقي. ويقول إن هذا التّعريف يظلُّ محدوداً للغاية؛ فقد يفسّر الحداثة الرّأسماليّة، لكنَّهُ لا يستطيع التّعبير عن تاريخ الإنسانيّة بأكمله، لذلك فهو ليس بعيداً عن رأي إنجلز الّذي قال كان يقول: ’لنقل التّاريخ المكتوب؛ فالصّراع الطّبقي لا يمكن أنْ يُعرض بوصفه مجمل تاريخ الإنسانيّة‘، وبحسب أوجلان، فإنَّ التّاريخ ليس في جوهره حرب الطّبقات، بل هو الصّراع بين الكوموناليّة والحضارة الدّولتيّة".

أشار الكاتب ماهر أرغون إلى أنَّ الكومونة تشكّل الأساس في ’مانيفستو السّلام والمجتمع الدّيمقراطي‘، وقال: "لذلك يُسْتَخْدَم بدلاً من مفهوم الصّراع الطّبقي-الطّبقي تعبير الكومونة-الدّولة، وهذه أيضاً صياغة لافتة ومحدَِّدَة ومفيدة".

وأوضح ماهر أرغون أنَّ السّياق والتّاريخ الخاص بالهياكل الكومونيّة في ميزوبوتاميا، ونضالها ضدَّ الدّولة، يختلف عن تلك الموجودة في أوروبّا أو شمال أمريكا، وأضاف قائلاً: "إنَّ بنى الدّولة في هذه المناطق مختلفة جداً، فقد كانت مواجهات هذه الكومونات مع الدّولة تتمُّ بطرق مختلفة تماماً في هذه المناطق، فمثلاً، في ميزوبوتاميا يمكن تتبع هذا المسار التّاريخي حتّى العصر الحجري الحديث، بينما في شمال أمريكا نتحدَّث عن عدَّة قرون فقط. لقد حافظت المجتمعات في ميزوبوتاميا على علاقاتها الكومونيّة على مدى عشرات الآلاف من السّنين، ولم تُنتج دولة من بين صفوفها. فهذه المجتمعات تعرفت على الدّولة فقط بعد غزوات الأوروبّيّين."

وعلى هذا الأساس، أشار الكاتب ماهر أرغون إلى أنَّ الكومونة تشكّل الأساس التّنظيمي للاشتراكيّة.

قد يهمك