بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: كنت اليوم في آمد "ديار بكر" كشاهد على شعب يكتب اسمه من جديد

كنتُ اليوم في آمد "ديار بكر"…لا كزائرٍ لمهرجان، بل كشاهدٍ على شعبٍ يكتب اسمه من جديد.

في ساحة النوروز، لم تكن الحشود مجرد أرقام تُقدَّر بعشرات الآلاف، بل كانت طاقةً إنسانيةً متدفقة، أجيالًا تتعاقب على الإيقاع نفسه، الهتاف نفسه، الحلم نفسه. رجال بزيّهم الكردي، ونساء بألوان الربيع التي بدت وكأنها تتحدّى الرماد، ينسجون لوحة لا تُرى فقط… بل تُحسّ.

هنا، لا تحتاج أن تفهم اللغة لتفهم المعنى.

الأغاني كانت تُترجم نفسها في العيون، والموسيقى كانت تمسك بالقلب قبل الأذن.

رقصاتٌ دائرية كأنها تقول: نحن هنا… رغم كل شيء.

وسط هذا المشهد، ارتفعت صورة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، للمرة الأولى بهذا الحضور الكثيف، لا كصورة معلّقة، بل كرمزٍ حيّ يتقدّم الحشود. آلاف الأعلام التي تحمل ملامحه لم تكن زينة، بل إعلانًا صريحًا: أن ربع قرن من الاعتقال لم يُطفئ حضوره… بل وسّعه، وعمّقه، وجعله أكثر رسوخًا في وجدان شعبه.

ولفتني أكثر… النساء.

نساءٌ ردّدن اسمه كما لو أنه جزء من إنصافٍ طال انتظاره، وكأن العلاقة بينهن وبينه ليست سياسية فقط، بل إنسانية عميقة، قائمة على استعادة الكرامة.

الهتافات لم تكن عابرة:

كوباني… عفرين… قامشلو… حلبجة…

أسماء مدن تحوّلت إلى ذاكرة مقاومة، تُنادى اليوم كأنها وعدٌ لم يكتمل بعد.

حتى المطر…

نزل خفيفًا، متقطعًا، كأنه لا يريد أن يفسد الاحتفال، بل أن يشارك فيه.

وكان المشهد سرياليًا: حلقات الرقص تستمر، الابتسامات لا تنطفئ، والوجوه تلمع بالماء… وبشيء أعمق من الفرح.

بهجةٌ نعم… لكنها بهجة تعرف ثمنها.

ابتسامة تحمل في داخلها تاريخًا من الألم، لكنها لا تستسلم له.

إصرار لا يلين، وإيمان لا يتراجع، بأن الهوية لا تُمحى، وأن الحقوق لا تُنسى، وأن ما طال زمنه… لا بد أن يأتي.

خرجتُ من هناك وأنا أتساءل:

هل الذي هزّني هو الموسيقى؟

أم صدق المشهد؟

أم تلك اللغة الإنسانية التي تتجاوز الكلمات؟

ربما كل ذلك…

لكن الأكيد أنني رأيت شعبًا لا يرقص للفرح فقط،

بل يرقص ليؤكد أنه ما زال حيًا…

وأنه باقٍ… حتى يكتمل الحلم.

قد يهمك