في عيد النيروز الذي يوافق أعياد الربيع يحتفل الكرد بهذا العيد الذي يعبر عن الهوية الكردية عبر التاريخ ويمثل جزء من التراث الكردى.
فمنذ أكثر من ألفين وستمائة عام، يتجدّد النوروز في الوجدان الكردي كزهرةٍ لا تذبل، وعيدٍ لا يشيخ. ليس مجرد احتفالٍ عابر، بل هو نشيدٌ متوارث للحرية لهم، تُردّده الأجيال في وجه الظلم، وتوقد به نار الأمل والسلام. يجتمع حوله الكرد، على اختلاف أطيافهم، ومعهم شعوبٌ تشاركهم الجوار، في لوحةٍ من المحبة والأخوّة والانبعاث.
في عمق هذا العيد، تنبض أسطورة كاوا الحداد، حيث تتحوّل الحكاية إلى رمز: طاغيةٌ يلتهم الحياة، وثائرٌ يشعل النار على قمم الجبال ليعلن فجر الخلاص. ومنذ تلك اللحظة، صار إشعال النيران في النوروز إعلانًا أبديًا لانتصار النور على الظلام، وتزامنًا مع ميلاد الربيع وبعث الحياة من جديد.
ومن الأسطورة إلى الواقع، تشكّلت الشخصية الكردية بين الجبال: صلبةً، متمرّدة، عاشقةً للحرية. لم تكن مجرد جماعةٍ في التاريخ، بل إرادةٌ حيّة قاومت الغزاة، واحتفظت بتراثها رغم القهر. وفي الغناء والرقص الجماعي، تجلّت روحهم؛ أناشيدُ تحكي البطولة والحب، وخطواتٌ متناسقة تعبّر عن وحدة الجماعة وانسجامها.
وفي رحم النوروز، تبلورت ذهنيةٌ فاعلة، تجمع بين الجرأة والإبداع، بين الفكر والعمل، وبين التمرّد والبناء. ورغم ما تعرّض له الكرد من قمعٍ وتشتيتٍ ومآسٍ، ظلوا أوفياء لصوتهم، يغنون بلغتهم، ويشعلون نارهم، سرًا وعلنًا، كأنهم يكتبون بلهيبها تاريخهم الذي لا ينطفئ.
ومع تعاقب الزمن، لم يفقد النوروز معناه، بل اكتسب أبعادًا جديدة، فصار موسمًا ومنبرًا لرسائل السلام والدعوة إلى الديمقراطية. من كاوا إلى الحاضر، ظلّت الشعلة واحدة: إرادة حياةٍ لا تنكسر، وعزيمة بقاءٍ لا تخبو.
وهكذا يبقى النوروز أكثر من عيد؛ إنه حكاية شعبٍ ينهض كل عام من رماده، ويعلن، بالنار والفرح، أن الحرية قدره، وأن النور—مهما طال الليل—لا بدّ أن ينتصر.
منبر الرأي
منبر الرأي