بث تجريبي

العراق تحت الظلّ الإسرائيلي.. قاعدة سرية تكشف هشاشة السيادة وحدود الدولة

تكشف التسريبات الأخيرة بشأن وجود قاعدة إسرائيلية سرية داخل العراق حجم الهشاشة الأمنية التي ما تزال تعانيها الدولة العراقية، وتعيد طرح تساؤلات عميقة حول السيادة وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات الإقليم وحروب النفوذ الخفية.

وبعد أسبوع على التقارير التي تحدثت عن نشاط عسكري إسرائيلي داخل الأراضي العراقية خلال التصعيد الأخير مع إيران، تتصاعد الأسئلة داخل العراق بشأن قدرة بغداد على حماية حدودها ومنع استخدام أراضيها في صراعات إقليمية تُدار بعيداً عن مؤسسات الدولة.

ولم تعد القضية مجرد خبر أمني عابر أو مادة إعلامية مرتبطة بالحرب الأخيرة، بل تحولت إلى ملف سياسي وسيادي حساس أعاد إلى الواجهة أزمة السيطرة الأمنية على المناطق الصحراوية الشاسعة، خصوصاً في غرب العراق، حيث تحدثت تقارير أمريكية وإسرائيلية عن إنشاء مواقع عسكرية إسرائيلية مؤقتة استخدمت كنقاط دعم لوجستي وتمركز لقوات خاصة ضمن العمليات الجوية ضد إيران.

وبحسب ما أوردته صحف أمريكية وإسرائيلية، من بينها “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز”، فإن تلك المواقع أُنشئت في مناطق صحراوية نائية واستُخدمت لدعم عمليات بعيدة المدى، شملت فرق إنقاذ وطواقم طبية وتجهيزات للتعامل مع احتمالات إسقاط طائرات داخل إيران.

ورغم أن الحكومة العراقية لم تقدم حتى الآن رواية رسمية متكاملة بشأن ما جرى، فإن حجم التسريبات والتفاصيل التي خرجت تباعاً دفع القضية إلى صدارة الجدل السياسي والأمني، خاصة مع الحديث عن بقاء بعض تلك المواقع نشطة لأيام قبل اكتشافها، وأن الكشف عنها جاء عبر بلاغات من سكان محليين لاحظوا تحركات غير اعتيادية في مناطق معزولة.

ويكشف هذا الأمر حجم الفراغ الأمني الذي تعانيه مناطق واسعة من الصحراء العراقية، وهي مناطق استُخدمت خلال العقود الماضية كممرات للعمليات السرية وتحركات الجماعات المسلحة، سواء خلال الاحتلال الأمريكي للعراق أو خلال سنوات نشاط تنظيم داعش والفصائل المسلحة.

وتشير الروايات المتداولة إلى أن اختيار الصحراء الغربية العراقية جاء بسبب طبيعتها الجغرافية؛ فهي مناطق واسعة قليلة السكان وصعبة المراقبة، فضلاً عن قربها النسبي من الحدود الإيرانية والسورية، ما يجعلها بيئة مناسبة لإنشاء مواقع عسكرية مؤقتة بعيدة عن الأنظار.

لكن خطورة القضية لا ترتبط فقط بوجود قاعدة أو موقع لوجستي، بل بطبيعة المهام التي قيل إنها أُديرت من داخل العراق، إذ تحدثت التقارير عن نشر وحدات كوماندوز إسرائيلية وفرق دعم ميداني وتجهيزات متقدمة لدعم العمليات الجوية، في مؤشر على التحول الذي تشهده حروب المنطقة، حيث باتت تُدار عبر قواعد متنقلة ووحدات خاصة ومسارات عمليات عابرة للحدود، لا عبر جبهات تقليدية واضحة.

ويبدو العراق، وفق هذا المشهد، وكأنه يتحرك مجدداً خارج مسار الأحداث بدلاً من التحكم بها، فبينما كانت أراضيه تُستخدم ـ وفق التقارير ـ في إطار صراع إقليمي واسع، اكتفت المؤسسات الرسمية بإعلانات مقتضبة عن فتح تحقيقات، من دون تقديم توضيحات حاسمة بشأن كيفية إنشاء مواقع عسكرية أجنبية داخل البلاد أو الجهات التي كانت على علم بها.

وأعاد ذلك إلى الواجهة معضلة عراقية مزمنة تتمثل في تضارب مراكز القوة داخل الدولة، واستمرار النفوذ الإقليمي والدولي في المشهد العراقي، في ظل محاولات الحكومة الحفاظ على سياسة “الحياد” رغم تحول الجغرافيا العراقية مراراً إلى جزء مباشر من صراعات المنطقة.

وفي المقابل، رأى مراقبون أن تسريب تفاصيل القاعدة الإسرائيلية يحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز مجرد الكشف الصحفي، سواء تجاه إيران أو الفصائل المسلحة أو حتى بغداد نفسها، إذ يعكس الإعلان عن قدرة إسرائيل على تشغيل مواقع متقدمة داخل العراق اتساع نطاق العمليات الاستخبارية والعسكرية في المنطقة، ويكشف هشاشة الحدود الفاصلة بين ساحات النفوذ الإقليمي.

ورغم مرور أيام على القضية، ما يزال الغموض يحيط بكثير من تفاصيلها، بينما تتزايد المخاوف من تحول العراق تدريجياً إلى ساحة مواجهة مفتوحة تُدار فوق أرضه صراعات لا يملك قرارها الكامل، لتبقى القضية مؤشراً جديداً على استمرار عجز الدولة العراقية عن إغلاق أبوابها بالكامل أمام حروب الآخرين.

قد يهمك