بث تجريبي

خنادق وسواتر وطرق عسكرية.. التحصينات الإسرائيلية تحول الانتشار العسكري في الجنوب السوري إلى واقع طويل الأمد

لم تعد التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري تقتصر على دخول القوات إلى القرى والبلدات أو إقامة نقاط عسكرية مؤقتة، بل باتت تترافق مع أعمال هندسية واسعة تشمل شق الطرق وحفر الخنادق وبناء السواتر، بما يثير مخاوف من تحول هذا الوجود إلى واقع يصعب التراجع عنه.

وفي آب/ أغسطس 2026، تحدثت تقارير إعلامية عن مشروع إسرائيلي أُطلق عليه اسم "الشرق الجديد"، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن الجيش الإسرائيلي أنجز نحو 80% من أعمال حفر الخنادق المرتبطة به، ضمن مسار يمتد على طول المنطقة العازلة من مجدل شمس وصولاً إلى حوض اليرموك.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن الخنادق يبلغ عمقها وعرضها نحو أربعة أمتار، بالتوازي مع إقامة سواتر ترابية مرتفعة، في أعمال تقدمها إسرائيل باعتبارها إجراءات لحماية الحدود ومنع التسلل.

غير أن اتساع نطاق هذه الأعمال وطبيعة المواقع التي تشملها يطرحان تساؤلات بشأن حدودها ووظيفتها المستقبلية، خصوصاً أن التحصينات لا تقتصر على نقاط قريبة من خط الفصل، بل تمتد إلى مناطق زراعية وتلال وطرق تستخدمها القرى المحيطة.

وفي ريف القنيطرة، شملت التحركات مناطق جباتا الخشب والحميدية والقنيطرة المهدمة، إضافة إلى عدد من التلال والمواقع المطلة على المناطق المحيطة. كما تحدثت تقارير محلية عن إنشاء طرق لوجستية وأبراج مراقبة وبوابات وأسوار، إلى جانب أعمال تجريف طالت مساحات من الأراضي الزراعية والحرش.

وتكتسب هذه المنشآت أهمية إضافية بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية، التي تضم مرتفعات وممرات طبيعية وأراضي زراعية وسدوداً، ما يمنح المواقع العسكرية المقامة فيها قدرة على مراقبة مساحات واسعة والتحكم في حركة الأفراد والآليات.

واللافت أن هذه الأعمال لا تقتصر آثارها على الجانب العسكري، إذ تؤدي الطرق المغلقة والبوابات والحواجز إلى تغيير أنماط الحركة التي اعتاد عليها السكان، وتحول دون وصول بعضهم إلى أراضيهم ومراعيهم، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الأرض خاضعة لسيطرة عسكرية مباشرة.

القنيطرة وحوض اليرموك.. التحصينات تصل إلى الأراضي الزراعية

تظهر التحركات الإسرائيلية في جنوب القنيطرة وحوض اليرموك بريف درعا الغربي جانباً أكثر مباشرة من انعكاسات هذا الانتشار، إذ تتداخل العمليات العسكرية مع الحياة اليومية للسكان، ولا سيما العاملين في الزراعة وتربية المواشي.

ففي قرى جنوب القنيطرة، شهدت الأشهر الماضية توغلات متكررة رافقتها أعمال تجريف وتحركات هندسية. وخلال حزيران الماضي، وثق ناشطون إقامة بوابات حديدية غرب الرفيد، بهدف عزل المزارعين عن أجزاء من أراضيهم، بالتزامن مع تقارير عن سيطرة القوات الإسرائيلية على تل أبو قبيس لفترة متواصلة.

واستمرت التحركات خلال آب في مناطق الرفيد وصيدا الحانوت، بالتوازي مع تحركات مماثلة في ريف درعا وحوض اليرموك، حيث اتخذت العمليات أشكالاً متعددة شملت التوغل والتمركز وإقامة الحواجز والتفتيش وإغلاق بعض الطرق.

وفي حوض اليرموك، امتدت هذه الإجراءات إلى قرى معرية وكويا وعابدين وجملة وصيصون، حيث سُجلت حوادث إطلاق نار وقصف واحتجاز وتفتيش، إلى جانب قيود على استخدام الطرق والوصول إلى الأراضي الزراعية.

وخلال الأيام الأخيرة التي تناولتها التقارير الميدانية، سُجلت سبع حوادث إطلاق نار مباشر بالرشاشات الثقيلة والمدفعية استهدفت السهول الزراعية في المنطقة، بينها أراضٍ في جملة وصيصون ومعرية، فيما شهدت عابدين توغلات وإقامة حواجز وخيام ميدانية وعمليات تفتيش للمنازل.

وفي 13 آب، أفادت مصادر محلية بتوغل إسرائيلي في حوض اليرموك وإزالة حجارة وضعها الأهالي على الطريق الذي يربط حي العارضة في عابدين بقرية معرية، كما تحدثت عن تجريف أراضٍ زراعية واقتلاع أشجار زيتون.

وبحسب المصادر نفسها، نصبت القوات الإسرائيلية كمائن واحتجزت عائلة وعدداً من المواطنين قبل الإفراج عنهم، وحذرت السكان من إعادة إغلاق الطريق بالحجارة، ملوحة بهدم منازل في حال تكرار ذلك.

وتكشف هذه الوقائع عن نمط من الإجراءات يتجاوز الوجود العسكري في المواقع المحددة، ليطال الطرق التي يستخدمها الأهالي للوصول إلى منازلهم وأراضيهم، ويضعهم أمام قيود متزايدة في ممارسة أنشطتهم اليومية.

دمشق بين المسار التفاوضي والوقائع المفروضة على الأرض

في الوقت الذي تتوسع فيه التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري، تواصل دمشق الاعتماد على المسار الدبلوماسي والأمني لاحتواء التصعيد، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تحدد طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي وتضع حداً للتوغلات داخل الأراضي السورية.

وتتمثل المطالب السورية المعلنة في وقف الاعتداءات والانسحاب من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية، والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي ينظم الوضع العسكري على جانبي خط الفصل.

وتجري هذه المساعي في ظل رعاية أمريكية للمباحثات الأمنية، مع مشاركة فرنسية في مراحل لاحقة، وسط خلافات تتعلق بحدود الانتشار الإسرائيلي وطبيعة الضمانات المطلوبة لمنع تجدد التصعيد.

لكن التحدي الأساسي أمام دمشق يتمثل في أن المفاوضات تجري بالتزامن مع تغيرات ميدانية متواصلة. فبينما يبحث الطرفان عن صيغة أمنية جديدة، تستمر عمليات التوغل والتجريف وشق الطرق وإقامة الخنادق والتحصينات، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة الوقائع التي قد تدخل في أي اتفاق مستقبلي.

وتزداد صعوبة هذا الملف مع التفاوت الواضح في موازين القوة العسكرية بين الطرفين، بعدما تعرضت البنية العسكرية السورية السابقة لضربات واسعة، وأصبحت قدرة السلطات الجديدة على فرض سيطرتها الميدانية محدودة في مناطق عدة من الجنوب.

وفي المقابل، تدرك دمشق أن الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة في ظل الظروف الحالية قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع لا تملك مقومات احتوائه، الأمر الذي يجعل الخيار الدبلوماسي أكثر حضوراً في حساباتها.

غير أن استمرار التفاوض دون وقف التحركات الميدانية قد يضعف الموقف السوري تدريجياً، خصوصاً إذا تحولت المواقع العسكرية والطرق والتحصينات التي تنشئها إسرائيل إلى وقائع قائمة يصعب التراجع عنها عند صياغة أي تفاهمات.

فالمسألة لا تتعلق فقط بالاتفاق على خطوط انتشار القوات أو آليات مراقبة الحدود، وإنما تشمل أيضاً مصير الأراضي التي جرى التوغل إليها، وحقوق السكان في العودة إلى ممتلكاتهم، وإزالة المنشآت العسكرية التي أقيمت داخل الأراضي السورية.

ومن هنا، فإن أي اتفاق أمني لا يتناول هذه الجوانب بصورة واضحة قد ينجح في خفض مستوى التصعيد، لكنه لن يكون بالضرورة كافياً لإنهاء تداعيات الوجود الإسرائيلي في الجنوب.

أي مستقبل ينتظر الجنوب السوري؟

تكشف التطورات المتراكمة منذ نهاية عام 2024 عن تغيرات تتجاوز طبيعة العمليات العسكرية التقليدية، إذ باتت المنطقة تواجه تداخلاً بين الانتشار العسكري والتحصينات والقيود على حركة السكان، في وقت تظل فيه الموارد المائية والزراعية والجغرافية جزءاً أساسياً من أهمية الجنوب.

ولا يعني ذلك أن جميع التحركات الإسرائيلية تنطلق بالضرورة من هدف واحد، أو أن السيطرة على الموارد تمثل سياسة معلنة ومثبتة، لكن تزامن هذه التحركات مع الأهمية الاستراتيجية للمناطق المستهدفة يجعل من الضروري قراءة المشهد في إطار أوسع من الاعتبارات الأمنية وحدها.

فإقامة موقع عسكري على مرتفع استراتيجي، وشق طريق لوجستي، وإغلاق مسار زراعي، وتجريف أراضٍ أو منع السكان من الوصول إلى المراعي، قد تبدو إجراءات منفصلة، لكنها مجتمعة تسهم في تغيير طبيعة السيطرة على المجال الجغرافي وتؤثر في قدرة السكان والسلطات المحلية على استخدامه وإدارته.

وتبرز خطورة هذا المسار عندما تتحول المنشآت العسكرية من إجراءات مؤقتة إلى بنية ميدانية شبه دائمة، بما يجعل التراجع عنها مرتبطاً بتفاهمات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.

في المقابل، تواجه الحكومة السورية اختباراً يتعلق بقدرتها على حماية السيادة الوطنية ومصالح السكان، دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة، وبما يضمن ألا تتحول المفاوضات إلى إطار يمنح شرعية ضمنية لوقائع فرضت بالقوة.

كما يبقى الدور الدولي، ولا سيما الأمريكي والأممي، عاملاً مؤثراً في تحديد مسار التطورات، خصوصاً أن واشنطن تؤدي دوراً في رعاية الاتصالات الأمنية، بينما تظل قوة "أندوف" الجهة الأممية المعنية بمراقبة فض الاشتباك، رغم محدودية قدرتها على منع التحركات العسكرية التي يشهدها الميدان.

وفي المحصلة، لا يقف الجنوب السوري أمام تحدي إنهاء التوغلات الإسرائيلية فحسب، بل أمام مسألة أوسع تتعلق بمستقبل الأرض والموارد وحرية السكان في استخدامها، وحدود قدرة الدولة السورية على استعادة حضورها وسيادتها في المنطقة.

هل تنجح المفاوضات في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سقوط النظام، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي واحترام اتفاق عام 1974، أم أن استمرار التغيرات الميدانية سيقود إلى ترتيبات جديدة تُبقي أجزاء من الجنوب تحت النفوذ الإسرائيلي، حتى في حال التوصل إلى اتفاق أمني؟

وهذا ما ستحدده، إلى حد كبير، طبيعة الاتفاق المرتقب، ومدى قدرته على معالجة الوقائع التي فرضتها التحركات العسكرية، لا الاكتفاء بتنظيمها.

قد يهمك