بث تجريبي

انهيار بنك «أوينو» في باراجواي يجمد أموال المودعين ويفجر أزمة دفعت الرئيس للاستقالة.. ما القصة؟

شهدت باراجواي، الواقعة في أمريكا الجنوبية، أزمة اقتصادية وسياسية حادة إثر الانهيار المفاجئ لبنك «أوينو» الرقمي، أحد أكبر المؤسسات المصرفية في البلاد، ما أدى إلى تجميد مدخرات ملايين المواطنين وتهديد الاستقرار الاقتصادي، وسط احتجاجات شعبية واسعة وتداعيات سياسية طالت الرئيس سانتياجو بينيا.

وتصاعدت الأزمة بعد تعطل خدمات البنك وإغلاق فروعه، الأمر الذي دفع السلطات المالية إلى فرض الوصاية عليه تمهيدًا لتصفيته، فيما واجهت الحكومة ضغوطًا متزايدة على خلفية اتهامات بوجود صلات بين إدارة البنك ومسؤولين مقربين من الرئيس.

تعود جذور الأزمة إلى نحو خمس سنوات، عندما تحول بنك «أوينو» من مؤسسة تمويل صغيرة إلى مصرف رقمي استطاع جذب أكثر من 60% من السكان البالغين في باراجواي، وفقًا لشبكة الإذاعة الوطنية الأمريكية «إن بي آر»، وحصل على ترخيص مصرفي من البنك المركزي عام 2023.

وخلال تلك الفترة، توسعت الشركة وانتشرت فروعها في مختلف أنحاء البلاد، مستقطبة العملاء من خلال تقديم عروض سخية لاسترداد الأموال على مشتريات البقالة، حتى تجاوز عدد مواقعها 70 موقعًا.

وامتد حضور البنك إلى المجال الرياضي، إذ أصبح راعيًا للمنتخب الوطني لكرة القدم في باراجواي، كما حمل الملعب الرئيسي في البلاد اسمه.

وبحلول الشهر الماضي، أعلنت شركة «أوينو» أنها تحتفظ بنحو 800 مليون دولار من الودائع العامة، وهو ما يمثل قرابة ربع إجمالي ودائعها، وشملت هذه الأموال مدخرات صندوقي المعاشات التقاعدية والصحة الحكوميين، إلى جانب أموال مشغلي السدود الكهرومائية العملاقة في البلاد.

قروض للمقربين ومخالفات مالية

في الوقت الذي كانت فيه مدخرات المتقاعدين والأموال العامة تتدفق إلى البنك، بدأت المخاوف تتزايد داخل البنك المركزي، بعدما اكتشف مفتشوه في يونيو نمطًا من عمليات الإقراض عالية المخاطر لمقربين من الرئيس، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «إيه بي سي كولور».

وأظهرت التحقيقات الرقابية التي أجراها البنك المركزي أن عمليات الإقراض تمت دون ضمانات كافية، وشابتها تجاوزات قانونية واضحة، فضلًا عن إدراج نفقات غير حقيقية ضمن أصول البنك.

وبعد إجراء التعديلات اللازمة على الحسابات، تراجع رأس مال البنك إلى أقل من نصف الحد الأدنى القانوني المطلوب، ما كشف حجم الاختلالات المالية التي يعاني منها.

تعطل الخدمات وتجميد أموال المودعين

وصلت الأزمة إلى ذروتها يوم الاثنين الماضي، بعدما تعطّل تطبيق البنك وتوقفت خدمات البطاقات والتحويلات المالية، بالتزامن مع إغلاق فروعه، ما دفع المودعين إلى الاصطفاف في طوابير طويلة أمام مقاره في محاولة لاسترداد أموالهم دون جدوى.

وعلى إثر ذلك، فرضت السلطات المالية الوصاية على البنك تمهيدًا لتصفيته، فيما أعلن البنك المركزي مصادرة المؤسسة المصرفية وبدء نقل الودائع والأصول القابلة للاسترداد إلى بنوك أخرى قبل تصفية ما تبقى منها، وفقًا لصحيفة «ذا جارديان» البريطانية.

وأدى القرار إلى تزايد الإقبال على فتح حسابات مصرفية جديدة في بنوك أخرى، ما تسبب في تعطل تطبيقاتها نتيجة الضغط الكبير، وزاد من حالة الذعر بين المواطنين.

اتهامات بتضارب المصالح وتفاقم الغضب الشعبي

وزادت الأزمة تعقيدًا بسبب العلاقات بين إدارة الرئيس سانتياجو بينيا والبنك المنهار، إذ تعود ملكية أسهم سابقة في شركات مرتبطة بالمؤسسة المصرفية إلى الرئيس نفسه.

كما أثار تعيين بينيا كارلوس كارفالو، الرئيس السابق للمؤسسة المالية المرتبطة بـ«أوينو»، على رأس البنك المركزي المكلف بالإشراف والرقابة على القطاع المصرفي، اتهامات بتضارب المصالح، وسط تساؤلات بشأن استقلالية الجهات الرقابية.

وأدى انهيار البنك وتجميد الحسابات إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة، شملت نحو 7000 وظيفة، فيما اصطف آلاف المودعين والمتقاعدين والعمال أمام الفروع المغلقة للمطالبة بالحصول على مستحقاتهم.

وامتدت الاحتجاجات إلى مواجهات مع قوات الأمن أمام مقر الكونجرس، في ظل تصاعد الغضب الشعبي من تداعيات الأزمة وطريقة تعامل السلطات معها.

استقالة الرئيس وفتح تحقيقات مع مسؤولين

ومع تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية، تعرض الرئيس سانتياجو بينيا لضربة سياسية بعد سحب الدعم منه من جانب مرشده السياسي هوراسيو كارتيس وحزبه «كولورادو» الحاكم.

وأعلن بينيا، الخميس، استقالته في كلمة متلفزة، مؤكدًا أن قراره يهدف إلى حماية السلم الاجتماعي والمؤسسات الديمقراطية، كما قدم اعتذاره للشعب، فيما تولى نائبه بيدرو أليانا مهام السلطة بصورة مؤقتة.

وفي السياق ذاته، صوّت مجلس النواب بالإجماع، بواقع 78 صوتًا مقابل صفر، على عزله وإحالته إلى مجلس الشيوخ تمهيدًا للتحقيق معه، بالتزامن مع توجيه النيابة اتهامات إلى 27 مسؤولًا وشريكًا في البنك، تتعلق بخيانة الأمانة ومحاولة الاحتيال.

وتضمنت الاتهامات تقديم البنك قروضًا ضخمة لشركات تابعة له دون ضمانات كافية، وتحويل جزء من الأموال إلى شركات أخرى ضمن المجموعة المصرفية.

وأصدر أحد القضاة قرارًا بحبس ستة من المديرين التنفيذيين، من بينهم مؤسس البنك ميجيل فاسكيز ورئيسه خوان مانويل جوستال، فيما وُضع مسؤولان آخران قيد الإقامة الجبرية.

خطة حكومية لتعويض المودعين

وفي محاولة للحد من تداعيات الانهيار المصرفي، أقر برلمان باراجواي بصورة عاجلة قانونًا يسمح لصندوق ضمان حكومي بسداد أموال المودعين المتضررين خلال خمسة أيام عمل.

ويشمل القانون الحسابات الصغيرة التي تصل قيمتها إلى نحو 1600 دولار أمريكي، وهو ما يغطي أرصدة ما يُقدر بنحو 97% من عملاء البنك.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على القطاع المصرفي، إذ تراجعت قيمة العملة الوطنية «الجواراني» بنسبة 4% أمام الدولار الأمريكي خلال يوم واحد، لتسجل خسائر بلغت نحو 7% في أسبوع واحد.

وتتواصل حالة الترقب داخل باراجواي وعلى المستوى الإقليمي بشأن تداعيات الانتقال السياسي، والإجراءات المنتظرة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي واحتواء آثار انهيار بنك «أوينو» على الاقتصاد والمودعين.

قد يهمك