ظل البرنامج النووي الإسرائيلي محاطًا بالغموض الرسمي لأكثر من ستة عقود، رغم تراكم الأدلة والتسريبات التي كشفت جوانب متعددة من مراحل تطوره، بدءًا من إنشاء منشأة ديمونة في صحراء النقب، مرورًا بالخلافات بين واشنطن وتل أبيب بشأن طبيعة البرنامج، وصولًا إلى الكشف عن تفاصيله عام 1986. إلا أن الحرب على إيران، التي تستهدف منعها من امتلاك ترسانة نووية، أعادت فتح ملف القدرات النووية الإسرائيلية، وطرحت تساؤلات بشأن استمرار سياسة الغموض التي تتبعها الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية.
بداية الإنكار
تواجه سياسة الغموض النووي التي تبنتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود ضغوطًا متزايدة، في ظل مطالب داخل الكونجرس الأمريكي بإعادة النظر في الموقف من الأسلحة النووية الإسرائيلية. ويتزامن ذلك مع تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تضمنت إشارات غير معتادة إلى حقيقة الترسانة الإسرائيلية، فضلًا عن تصاعد المخاوف من تداعيات استمرار الحرب مع إيران دون معرفة الخطوط الحمراء الإسرائيلية بشأن احتمال استخدام السلاح النووي، وفقًا لشبكة «سي إن إن».
وتعود إحدى أبرز الوقائع التي كشفت مبكرًا طبيعة البرنامج النووي الإسرائيلي إلى أوائل عام 1960، عندما كان عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين يستقلون طائرة هليكوبتر إسرائيلية، ولاحظ أحدهم موقعًا للإنشاءات في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلًا غرب البحر الميت.
وأثار الموقع انتباه المسؤول الأمريكي، الذي سأل مرافقه الإسرائيلي آدي كوهين، المسؤول بوزارة المالية الإسرائيلية، عن طبيعة المنشأة، ليرد الأخير بأنها مجرد «مصنع نسيج».
وكان من بين الدبلوماسيين الذين تلقوا هذا الرد السفير الأمريكي لدى إسرائيل أوجدن ريد، لكن المنشأة التي شاهدوها كانت في الواقع موقع ديمونة النووي، الذي تحول لاحقًا إلى مركز البرنامج النووي الإسرائيلي ومصدر الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.
وبعد عدة أشهر، طلب ريد لقاء كوهين، بعدما توصلت الاستخبارات الأمريكية إلى حقيقة الموقع. ووفقًا لبرقية دبلوماسية أمريكية سرية، ضمن مجموعة وثائق رفع عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، تعامل كوهين مع الأمر في البداية باستخفاف، لكن الانطباع الذي خرج به المسؤولون الأمريكيون كان أنه يدرك إمكانية استخدام المفاعل مستقبلًا لأغراض عسكرية.
وبعد خمس سنوات، اكتشف مسؤولون نوويون أمريكيون اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب المستخدم في صناعة الأسلحة، من أحد المصانع بولاية بنسلفانيا. وذهب بعض مسؤولي الاستخبارات الأمريكية إلى احتمال تحويل هذه الكميات إلى البرنامج النووي الإسرائيلي، وهي الواقعة التي تناولها أيضًا فيلم وثائقي حديث.
سر مكشوف
على مدار نحو 60 عامًا، التزمت الولايات المتحدة وإسرائيل الصمت بشأن تطوير الترسانة النووية الإسرائيلية، دون اعتراف رسمي من أي من الحكومتين بامتلاك تل أبيب أسلحة نووية.
وتحول رد آدي كوهين بشأن «مصنع النسيج» إلى تعبير متداول للإشارة إلى البرنامج النووي الإسرائيلي، حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استخدم هذه العبارة خلال خطاب ألقاه في 14 يوليو، عندما أشار إلى اجتماع بشأن «مصنع نسيج» مع رئيس هيئة الطاقة الذرية.
ووصف المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي أفنير كوهين هذا الوضع بأنه «سر مكشوف للغاية»، في إشارة إلى التناقض بين غياب الاعتراف الرسمي وتراكم الأدلة والتسريبات التي تشير إلى امتلاك إسرائيل قدرات نووية.
وتقوم السياسة المشتركة بين واشنطن وتل أبيب على الإبقاء على الغموض، من خلال الإيحاء بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية دون الإعلان عن ذلك رسميًا. وقد ساعد هذا النهج الولايات المتحدة في الحفاظ على موقفها المعلن الرافض لانتشار الأسلحة النووية، كما أتاح لإسرائيل تجنب التساؤلات المتعلقة بكيفية حصولها على القنبلة النووية.
لكن هذا التفاهم يواجه تحديات جديدة مع تطور البرامج النووية في المنطقة، لا سيما أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حربًا ضد إيران، من بين أهدافها منع طهران من امتلاك سلاح نووي، في وقت يشكك فيه خبراء بارزون في مجال منع الانتشار النووي في إمكانية تحقيق هذه الجهود أهدافها.
ضغوط أمريكية
وفي هذا السياق، اعتبر النائب الديمقراطي الأمريكي خواكين كاسترو، خلال مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، أن سياسة الغموض التي تتبعها واشنطن تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية لم تعد متوافقة مع الواقع، ووصف استمرارها بأنه نهج متهور وخطير.
وأشار كاسترو، عضو لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي، إلى المخاطر المترتبة على دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل دون معرفة الخطوط الحمراء الإسرائيلية بشأن احتمال استخدام الأسلحة النووية.
وطالب بتوضيح الخطط الأمريكية للتعامل مع أي استخدام محتمل لهذه الأسلحة، أو في حال تعرض المنشآت النووية لضربات عسكرية، معتبرًا أن استمرار الغموض يثير تساؤلات أساسية بشأن طبيعة التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، خصوصًا مع مشاركة القوات الأمريكية في العمليات العسكرية بالمنطقة.
حسابات الحرب
ويرى خبراء تحدثوا إلى «سي إن إن» أن سياسة التكتم النووي الإسرائيلية نشأت في ظل ظروف الحرب الباردة، عندما خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الإعلان عن امتلاك تل أبيب أسلحة نووية إلى تحفيز برامج تسلح نووي عربية بدعم من الاتحاد السوفييتي، فضلًا عن مخاوف إسرائيل من التداعيات الدبلوماسية للاعتراف بترسانتها.
وفي العام نفسه الذي كُشف فيه اختفاء اليورانيوم من مصنع بنسلفانيا، زار هنري كيسنجر إسرائيل، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأمريكية في السفارة على نتائج محادثاته مع المسؤولين الإسرائيليين.
وكان كيسنجر آنذاك أستاذًا للعلوم السياسية بجامعة هارفارد ومستشارًا للسياسة الخارجية لشخصيات جمهورية بارزة، قبل أن يتولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1969.
ووفقًا لمذكرة رُفعت عنها السرية في أرشيف الأمن القومي، ولخصت محادثات كيسنجر، فقد كان لديه «اعتقاد قوي بأن إسرائيل قد شرعت بالفعل في برنامج بناء أسلحة نووية»، وهو البرنامج الذي حاول الرئيس الأمريكي جون إف كينيدي منع تطويره.
وخلال زيارته، التقى كيسنجر نائب وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز، وخلص إلى أن بيريز وعددًا من كبار المسؤولين الإسرائيليين يؤيدون تطوير أسلحة نووية.
وأشارت المذكرة إلى أنه «لم يكن هناك أي شك حتى بين العلماء حول حاجة إسرائيل لتطويرها»، لكنها سجلت في الوقت نفسه اعتقاد كيسنجر بأن المسؤولين الإسرائيليين يحرصون على عدم الظهور بمظهر الدولة التي تُدخل الأسلحة النووية إلى المنطقة.
صور سرية
وخلال سبعينيات القرن الماضي، ظهرت تقارير صحفية وإفصاحات حكومية متفرقة أشارت بقوة إلى امتلاك إسرائيل القنبلة النووية، لكن الشكوك الدولية تبددت عام 1986، عندما كشف موردخاي فعنونو، الفني السابق في مفاعل ديمونة، تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي، وقدم صورًا سرية للمنشأة إلى صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في لندن.
وقبل نشر التحقيق بفترة قصيرة، استدرج عميل شاب من جهاز الموساد فعنونو إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث جرى تخديره ونقله إلى سفينة شحن سرية تابعة للبحرية الإسرائيلية كانت تنتظره في المياه الدولية.
وترد هذه التفاصيل في كتاب صدر عام 1999 للصحفي بيتر هونام، الذي أجرى التحقيق الصحفي مع فعنونو وكشف من خلاله جانبًا من أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي.
ورغم شهادة هونام دفاعًا عن نفسه خلال المحاكمة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، أُدين فعنونو بتهمتي الخيانة والتجسس، وقضى 18 عامًا في أحد السجون الإسرائيلية، معظمها داخل الحبس الانفرادي.
ووفقًا لمجلة «نيويوركر» الأمريكية عام 2018، أثارت هذه التطورات قلق المسؤولين الإسرائيليين، ودفعتهم إلى السعي سرًا للحصول على ضمانات مكتوبة من الولايات المتحدة بعدم مطالبتهم بالتخلي عن الترسانة النووية.
وبدأت هذه المساعي خلال فترة رئاسة بيل كلينتون، وجاءت الضمانات المطلوبة بصياغات غامضة تتماشى مع سياسة الغموض النووي القائمة.
وفي مقابلة مع «سي إن إن» عام 2018، لم ينف نتنياهو امتلاك إسرائيل قدرات نووية، واكتفى بالقول إنها «لن تكون أول من يُدخلها» إلى المنطقة.
ورغم ذلك، لم يتغير الموقف الرسمي الأمريكي والإسرائيلي، إذ لا تزال الحكومتان تمتنعان عن تأكيد امتلاك تل أبيب أسلحة نووية، بينما تقدر مبادرة التهديد النووي، وهي منظمة غير ربحية، أن الترسانة الإسرائيلية تضم نحو 90 رأسًا حربيًا.
جذور البرنامج
ولم يتمكن المفتشون الأمريكيون من اكتشاف المنشأة السرية الموجودة تحت الأرض أسفل مفاعل ديمونة، والتي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم اللازم لصناعة القنابل النووية.
ووفقًا لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية صدر عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، كان المسؤولون الإسرائيليون يغلقون المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين الأمريكيين، في إطار الإجراءات المتبعة لإخفاء أجزاء من الموقع عن عمليات التفتيش.
وتضمن الفيلم مقابلات نُشرت بعد وفاة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي المسؤول عن دعم البرنامج النووي، وكشفت تفاصيل إضافية بشأن الأساليب التي استخدمتها إسرائيل للحفاظ على سرية بعض منشآتها النووية.
ويرتبط استمرار سياسة الغموض بمخاوف أمريكية أوسع من أن يؤدي الاعتراف الرسمي بالترسانة الإسرائيلية إلى إضعاف مصداقية واشنطن في معارضة انتشار الأسلحة النووية، فضلًا عن احتمال فتح الباب أمام مطالب بفرض عقوبات اقتصادية أو حظر مبيعات الأسلحة على الدول التي تسعى إلى امتلاك القنبلة النووية.
وفي هذا الإطار، حذر ماثيو كرونيج، الخبير الاستراتيجي النووي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون، من أن إعلان إسرائيل امتلاكها أسلحة نووية قد يزيد الضغوط على دول المنطقة لاتخاذ الخطوة نفسها.
وقال كرونيج إن «سباق التسلح النووي الجامح في الشرق الأوسط ليس في صالح السياسة الأمريكية»، في إشارة إلى التداعيات المحتملة لانهيار سياسة الغموض النووي على التوازنات الأمنية في المنطقة.
وبينما تستمر الولايات المتحدة وإسرائيل في تجنب الاعتراف الرسمي بالترسانة النووية الإسرائيلية، تفرض الحرب على إيران وتساؤلات التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب ضغوطًا جديدة على سياسة استمرت أكثر من ستة عقود، وأعادت ملف القدرات النووية الإسرائيلية إلى واجهة النقاش الإقليمي والدولي.